في الوقت الذي كانت فيه عيون المغاربة ترقب السماء في الأقاليم المنكوبة، خوفاً من فيضانات جرفت الأخضر واليابس وأزاحت الستار عن هشاشة بنية تحتية متهالكة، كان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يوقع بيدٍ من حديد صفقات “فلكية”. هي مفارقة عجيبة تلخص أسلوب تدبير هذه المرحلة: مليارات الدراهم تُضخ في عروق “الأساطيل والمدارج”، بينما تُترك أسرٌ مغربية لمصيرها تواجه الفقر والتهميش في صمت.
نفقات “فوق السحاب” ومعاناة تحت الأنقاض
لقد اختار عزيز أخنوش أن يوجه بوصلة “الدولة الاجتماعية” – كما يسميها – نحو توسيع أسطول الخطوط الملكية المغربية وتحديث المطارات بميزانيات تثير الذهول. لا أحد ينكر أهمية المشاريع الكبرى، لكن منطق الأولويات يفرض نفسه بحدة؛ فكيف يعقل أن تُعبأ المليارات لزيادة “الطاقة الاستيعابية للمطارات”، في حين تعجز الحكومة عن استيعاب حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الفيضانات في الجنوب الشرقي أو الجفاف الذي نخر عظام الفلاح الصغير؟ إنها سياسة “التزويق” التي تُبنى فوق الجراح.
“وقود الطائرات”: احتكار يثقل كاهل الركاب
لا يتوقف النقد عند حدود تخصيص الأموال، بل يمتد إلى “التحكم الهيكلي” في مفاصل الاقتصاد المرتبط بهذه الصفقات. ففي قطاع توريد وتخزين وقود الطائرات، تبرز تساؤلات حارقة حول غياب التنافسية الحقيقية؛ حيث أدى هذا الاحتكار الصامت إلى ارتفاع أسعار التذاكر، ليجد المسافر المغربي نفسه مضطراً لتحمل أعباء “تكاليف غير عادلة” تذهب أرباحها في نهاية المطاف إلى جيوب شركات نافذة، في تداخل فج ومستمر بين المصالح السياسية والتجارية.
“الجزية الداخلية” تحت مسميات وطنية
ما يحدث اليوم يمكن وصفه بـ “تغليف الجزية”؛ حيث تُسحب الأموال من خزينة الشعب لتُمنح لنخبة اقتصادية محظوظة تحت مسميات براقة مثل “السيادة الوطنية” و”الإقلاع الاقتصادي”. هي مشاريع ضخمة، نعم، لكنها “مشاريع للأغنياء بمال الفقراء”. المستفيدون الحقيقيون هم فئة محدودة جداً تعمل في فلك المشاريع الكبرى، بينما يغيب مبدأ الشفافية والمساءلة حول كيفية توزيع هذه “الكعكة” الوطنية، لتبقى الثروة محصورة في دائرة ضيقة تزداد غنىً، في مقابل اتساع رقعة الفقر.
تنمية على الورق وشقاء في الواقع
إن النتيجة الأساسية لهذا النهج التدبيري هي تعميق الهوة بين خطاب رسمي يتحدث عن “النمو والازدهار” وواقع مرير يعيشه المواطن العادي. بالنسبة لابن “الهامش” أو “المغرب العميق”، فإن سماع أخبار المليارات التي تتدفق على المطارات والشركات الكبرى لا يعني له شيئاً وهو يبحث عن رغيف خبز بأسعار معقولة أو سقف يحميه من تقلبات المناخ.
إن السياسة التي لا تضع كرامة المواطن البسيط وسلامته كأولوية قصوى قبل صفقات الطائرات والمدارج، هي سياسة تفتقد للروح الاجتماعية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بطول مدارج المطارات، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة فوق أرضه.














