يفتح تعيين أحمد المهدي المزواري عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وزيراً منتدباً مكلفاً بالصيد البحري مرحلة جديدة في تدبير أحد أكثر القطاعات الاستراتيجية حيوية للاقتصاد المغربي، حيث يضع هذا التعيين المسؤول الحكومي الجديد أمام اختبار حقيقي يتجاوز مجرد الاستمرار في تسيير الشؤون اليومية أو طرح برامج ومشاريع إضافية. إن الجوهر الحقيقي لهذا الاختبار يكمن في مدى الاستعداد السياسي والتنفيذي لإخضاع حصيلة التدبير السابق لتقييم دقيق وشامل، وربط السياسات العمومية بنتائجها المباشرة على الثروة البحرية والأوضاع المهنية والاجتماعية للشغالين في القطاع. وتأتي مراسم تسليم السلط التي جرت بين المزواري وزكية الدريوش، كاتبة الدولة السابقة المكلفة بالقطاع، لتطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الإدارة الجديدة على الانتقال من مجرد البروتوكول الإداري لتداول المسؤوليات إلى منطق محاسبة الأداء وقياس الأثر، بما يضمن تشخيصاً شفافاً للحصيلة والموازنة بين الإنجازات والاختلالات التراكمية.
إن معالجة ملفات الثروة البحرية والتركة التي خلفتها مرحلة تدبير زكية الدريوش تضع المزواري أمام تعقيدات هيكلية تنموية وبيئية واجتماعية متداخلة. فمن جهة، يصطدم الوزير الجديد بضرورة إعادة تقييم نجاعة المخططات الاستراتيجية المعتمدة سلفاً ومدى قدرتها على حماية المخزون السمكي الوطني من التدهور والإنهاك الناجم عن الصيد المفرط والتغيرات المناخية، إذ لم يعد كافياً الاستناد فقط إلى الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم الإنتاج أو المداخيل وصادرات القطاع، بل أصبح من اللازم التحقق من الاستدامة الفعلية لهذه الموارد البحرية وحمايتها للأجيال القادمة. وتتضاعف صعوبة هذه المهمة في ظل الضغوط التي تمارسها لبيات المصالح المتمكنة في القطاع، والتي قد تقاوم أي محاولة لمراجعة كوتات الصيد أو إعادة توزيع رخص الاستغلال وأعالي البحار بنوع من الشفافية والعدالة.
ومن جهة أخرى، يواجه المزواري تحدياً اجتماعياً ومجالياً بالغ الأهمية يتعلق بضمان التوزيع العادل والمنصف لعائدات هذا القطاع الحيوي، والذي عانى فيه مهنيو الصيد التقليدي والبحارة الصغار لفترات طويلة من التهميش والغلاء والتفاوت الطبقي الحاد مقارنة بمالكي أسطول الصيد العصري وأعالي البحار. إن إصلاح الاختلالات السابقة يتطلب جراءة في فتح ورش الحماية الاجتماعية للبحارة، وتحسين ظروف عملهم، وإعادة النظر في سلاسل التوزيع والوساطة التي تلتهم هامش ربح المنتج الصغير وتثقل كاهل المستهلك المحلي. وبذلك، فإن رهان الوزير الجديد يكمن في مدى قدرته على إحداث القطع مع الممارسات التقليدية في إدارة الملفات الكبرى، وتكريس حكامة جديدة تعتمد التقييم والربط المباشر بين المسؤولية والمحاسبة، لجعل التنمية البحرية رافعة حقيقية لتحقيق العدالة الاجتماعية والإقليمية بدلاً من أن تظل مجرد أرقام نمو جافة.












