يفتح احتمال اصطفاف حزب التجمع الوطني للأحرار في صفوف المعارضة، عقب التطورات التي أعقبت الانتخابات التشريعية الأخيرة، نقاشا واسعا حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يضطلع به الحزب داخل المشهد السياسي والبرلماني خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا السيناريو في أعقاب نتائج انتخابية تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة المشهد بـ97 مقعدا، يليه حزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، وفق النتائج النهائية المعلنة رسميا.
ويجد الأحرار بذلك نفسه في المرتبة الثانية داخل مجلس النواب، في وقت تتواصل فيه مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة.
ويستمد احتمال انتقال الحزب إلى المعارضة زخماً من مواقف صدرت عن أصوات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني، عبرت عن رفضها مشاركة الأحرار في الحكومة المقبلة، مع تفويض قيادة الحزب حسم الخيارات المرتبطة بالتحالفات. وفي حال تحقق هذا السيناريو، سيجد حزب قاد الحكومة خلال الولاية السابقة نفسه أمام اختبار الانتقال من موقع تدبير الشأن العام إلى موقع مراقبته ومساءلته.
وتثير هذه الوضعية بدورها أسئلة حول طبيعة المعارضة التي يمكن أن يمارسها الحزب، خصوصا أن عددا من المشاريع والسياسات والقوانين التي كانت ضمن أولوياته خلال المرحلة الحكومية السابقة لا تزال مطروحة خلال المرحلة المقبلة.
كما يطرح الأمر تحديا سياسيا وتنظيميا يتعلق بمدى قدرة الحزب على بناء خطاب معارض منسجم مع موقعه الجديد، دون أن يتناقض مع مواقفه السابقة.
وفي هذا السياق، ترى الدكتورة والباحثة في العلوم السياسية والقانون الدستوري، شريفة لموير، أن انتقال الأحرار إلى المعارضة، في حال حصوله، لن يكون بالضرورة بالقوة نفسها التي ميزت حضوره خلال تجربته الحكومية السابقة.
وتستند في ذلك إلى كون الحزب اعتاد، عبر محطات متعاقبة، على ممارسة التدبير الحكومي، ولم يخض تجربة المعارضة إلا في مناسبة محدودة، ما قد يجعل الانتقال إلى هذا الموقع بحاجة إلى وقت للتكيف.
وتشير لموير، في تصريح لدوزيم، إلى معطى آخر يتمثل في استمرار جزء من السياسات والمشاريع والقوانين التي كانت مطروحة خلال الولاية السابقة ضمن المرحلة المقبلة، وهو ما يطرح، بحسبها، سؤالا حول كيفية معارضة الحزب لخيارات سبق أن تبناها ودافع عنها أثناء وجوده في الحكومة.
وتخلص الباحثة إلى أن مجرد انتقال الأحرار إلى المعارضة لا يعني بالضرورة تقوية هذا الموقع داخل البرلمان، مؤكدة أن فعالية المعارضة لا تقاس بالحضور العددي وحده، وإنما كذلك بقدرتها على تقديم بدائل وممارسة الرقابة والتقويم بشكل مؤسساتي.
في المقابل، يقدم أستاذ القانون العام والعلوم السياسية، عبد الله أبو عوض، قراءة مختلفة، إذ يرى أن اصطفاف الأحرار في المعارضة قد يساهم في إحداث توازن مؤسساتي داخل مجلس النواب، بالنظر إلى التجربة التي راكمها الحزب في تدبير الشأن الحكومي ومعرفته بالتحديات التي تواجه مؤسسات الدولة.
ويتوقع أبو عوض، في حديثه مع موقع القناة الثانية، أن يتجه الحزب نحو ما وصفه بمعارضة القرب، معتبرا أن وجوده في هذا الموقع يمكن أن يشكل إضافة للممارسة البرلمانية من خلال الانتقال من التصعيد السياسي إلى التقويم والتوجيه، خصوصا في الملفات المرتبطة بإرساء الدولة الاجتماعية. كما أشار إلى أن الحزب لم يسجل، إلى حدود المرحلة الحالية، مواقف تصعيدية بهذا الخصوص.
ويقارن الأكاديمي هذا التوجه المحتمل بما صدر عن قيادات في حزب العدالة والتنمية والحزب الاشتراكي الموحد من مواقف عقب إعلان النتائج الانتخابية، معتبرا أن اختلاف الخطاب بين مكونات المعارضة قد يساهم في إعادة تشكيل المشهد داخل المؤسسة التشريعية.
وعلى المستوى الداخلي، يرى أبو عوض أن أي تراجع انتخابي يفرض على الحزب المعني إعادة ترتيب أولوياته ومراجعة بنيته التنظيمية والسياسية. وفي هذا السياق، دعا قيادات الحزب التي تولت تدبير المرحلة الحكومية السابقة إلى إفساح المجال أمام الشباب والنساء، معتبرا أن تجديد النخب أصبح مطلبا مرتبطا بتطور الممارسة السياسية وانتظارات المجتمع.
وحذر المتحدث من أن استمرار الوجوه نفسها في قيادة الحزب خلال المحطات الانتخابية المقبلة، دون مراجعة للهياكل والمقاربات السياسية، قد يفاقم تراجعه مستقبلا، مؤكدا أن تجديد النخب وتوسيع دائرة المشاركة داخل التنظيم يشكلان، بحسب قراءته، مدخلا لإعادة بناء موقع الحزب في المشهد السياسي.













