هل تنهي إجراءات “نارسا” طوابير الفحص التقني؟

تجد الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية “نارسا” نفسها مجدداً في مواجهة اختبار حقيقي يتعلق بمدى جاهزيتها الحكامتية؛ إذ جاء قرارها الأخير القاضي بزيادة الطاقة الاستيعابية لمراكز الفحص التقني وتمديد ساعات العمل إلى عشر ساعات يومياً كخطوة اضطرارية لامتصاص موجة الاكتظاظ الخانقة. وعلى الرغم من أن القرار يحمل في ظاهره طابعاً استجابياً لتلبية المصلحة العامة وتخفيف طوابير الانتظار، إلا أنه يستدعي قراءة نقدية تعيد طرح السؤال الجوهري: هل تُدار السلامة الطرقية بالقرارات الاستثنائية أم بالتخطيط الاستباقي المستدام؟

إن تقنين الفحص اليومي ليرتفع إلى 25 مركبة خفيفة و16 مركبة ثقيلة لكل خط، مع تمديد ساعات الاشتغال حتى 19 شتنبر، يمثل حلاً مؤقتاً لظاهرة دورية معلومة التوقيت والأسباب؛ فالضغط الموسمي خلال فترة الصيف ليس معطى طارئاً أو حدثاً غير متوقع، بل هو تدفق اعتيادي يرتبط بحركة العطلات وعودة الجالية. وبالتالي، فإن الانتظار إلى حين بلوغ المراكز نقطة التشبع لإطلاق “خطة طوارئ” يعكس خللاً في الرصد والتنبؤ، ويجعل الأداء العام رهيناً لسياسة إطفاء الحرائق بدل الوقاية منها.

من جهة أخرى، يلقي هذا القرار بظلاله على العنصر البشري ومستوى الجودة المطلوب؛ فأعوان الفحص التقني يقفون اليوم أمام معادلة صعبة توازن بين تسريع الوتيرة والاستمرار في تقديم فحص دقيق لا يسامح في الشروط التقنية للمركبات. وعلى الرغم من حرس الوكالة على تحديد سقف لمعالجة كل فاحص والتأكيد على احترام مدونة الشغل ودفتري التحملات، إلا أن زيادة ساعات العمل وتكثيف الضغط المهني يظلان من العوامل التي قد تؤثر مجاملةً أو سهواً على جودة التقييم، وهو ما يمس جوهر المرفق المرتبط مباشرة بالسلامة الجسدية لمستعملي الطريق.

إن إنهاء هذه الحالة الاستثنائية بانتهاء الآجل المحدد في منتصف شتنبر لن يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، بل سيعيد الملف إلى نقطة الصفر في أول ذروة قادمة ما لم يتم التفكير في حلول هيكلية. والرهان الحقيقي أمام “نارسا” اليوم لا يكمن في مدى نجاحها في تصريف تراكم الملفات الحالي فحسب، بل في قدرتها على تجديد نموذجها التشغيلي؛ عبر رقمنة أعمق لخدمات المواعيد، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للدائم من الشبكات، وتوزيع الحمل على مدار السنة عبر آليات تحفيزية، ليتحول التقييم من رد فعل موقت إلى استراتيجية تنظيمية مرنة ورصينة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 395

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *