تواجه الأغلبية الحكومية محكاً سياسياً جديداً قد يعيد رسم موازين القوى داخلياً، حيث يقترب ملف الدعم الحكومي الموجه لقطاع المواشي من التحول إلى أزمة سياسية علنية. والمؤشر الأبرز على هذا التوتر هو بدء الفريق الاستقلالي بمجلس النواب مشاورات جادة للانضمام إلى مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وهي الخطوة التي من شأنها إحراج الشريك الرئيسي في التحالف، حزب التجمع الوطني للأحرار، ووضع رئيس الحكومة عزيز أخنوش تحت ضغوط متزايدة.
وتقود فرق المعارضة البرلمانية منذ فترة دينامية مكثفة لحشد التأييد وجمع التوقيعات اللازمة لتأسيس لجنة تقصي حقائق تروم نبش مسارات الأموال العمومية الضخمة التي صُرفت لدعم استيراد المواشي وإعادة تكوين القطيع الوطني. وفي خطوة استراتيجية، لم تكتفِ المعارضة بالتنسيق الداخلي، بل وجهت مراسلات رسمية إلى فرق الأغلبية الحكومية والنواب غير المنتسبين لطلب دعمهم. ويبدو أن هذه الاتصالات وجدت صدى لدى حزب الاستقلال، الذي يدرس فريقه النيابي التوقيع على المبادرة؛ وهو تحول سياسي بارز يكشف حجم التباينات والاختلافات الصامتة بين مكونات التحالف الحكومي، ويؤكد أن التوافق حول تدبير بعض الملفات الاقتصادية والاجتماعية بدأ يتآكل مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتعود تفاصيل هذا الملف إلى أكتوبر 2022، حين أقرت الحكومة حزمة إجراءات استثنائية واستعجالية لإنقاذ قطاع المواشي وتأمين السوق الوطنية، شملت إعفاءات جمركية واسعة عند الاستيراد، وإعفاءات من الضريبة على القيمة المضافة، وتقديم دعم مالي مباشر للمستوردين عن كل رأس غنم مستورد، بالإضافة إلى إطلاق برامج تمويلية كبرى لإعادة تكوين القطيع الوطني بعد توالي سنوات الجفاف. ورغم هذه المليارات المرصودة، استمرت أسعار اللحوم الحمراء في الارتفاع القياسي، دون أن يلمس المواطن أي أثر إيجابي لهذه الإعفاءات على قدرته الشرائية، مما فجّر علامات استفهام كبرى داخل قبة البرلمان وخارجها حول جدوى هذه البرامج ونجاعتها.
وفي حال نجاح المعارضة — بدعم من الفريق الاستقلالي — في جمع النصاب القانوني وتشكيل اللجنة، فإن التحقيق البرلماني سيركز على خمس غايات أساسية: أولاً، معرفة الحجم الحقيقي والنهائي للأموال العمومية التي صُرفت. ثانياً، تحديد هوية المستفيدين بدقة من أفراد وشركات. ثالثاً، الكشف عن معايير اختيار هؤلاء المستفيدين لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص. رابعاً، دراسة الكيفية الإدارية والمالية التي دُبر بها الدعم. وخامساً، تحديد المسؤوليات السياسية والإدارية المرتبطة بهذا الملف بشكل واضح.
ولا يمكن فصل هذا الحراك البرلماني عن الأجندة الزمنية السياسية؛ فمع الاقتراب التدريجي لموعد الانتخابات المقبلة، يبدو أن ملف “دعم المواشي” سيتحول إلى ورقة سياسية حارقة ومؤثرة في الصراع الانتخابي. ورغبة حزب الاستقلال في النبش وراء هذا الملف قد تعكس سعيه للتمايز عن الأحرار وإبراء ذمته أمام الناخبين من تبعات غلاء الأسعار، مما يعيد رسم موازين القوى داخل الأغلبية ويضع قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار في الواجهة وحيدة للدفاع عن حصيلتها.
إن اقتراب حزب الاستقلال من الانخراط في لجنة تقصي الحقائق ليس مجرد إجراء رقابي عادٍ، بل هو تطور سياسي نوعي يهدد تماسك الأغلبية. هذا التحول يفتح الباب على مصراعيه أمام محاسبة علنية تثير أسئلة مقلقة: أين صُرفت مليارات الدراهم؟ ومن استفاد منها حقاً؟ ولماذا لم تنخفض أسعار اللحوم؟ وهو ما يفتح الباب أمام تحقيق برلماني واسع يحرج رئيس الحكومة وحزبه في ظل استمرار معاناة المواطن مع الغلاء.












