أسوار تارودانت العتيقة: جهود حثيثة لترميم المعلمة التاريخية وإعادة تأهيل محيطها العمراني

تتواصل بمدينة تارودانت أشغال ترميم سورها التاريخي العتيق بخطى متقدمة، وذلك بعد مرور عدة أشهر على انطلاق المشروع في غشت 2025. وتُعد هذه المعلمة الأثرية الفريدة محط اهتمام واسع يهدف بالأساس إلى الحفاظ على الهوية المعمارية والتاريخية للمدينة، حيث قطعت الأشغال حالياً أشواطاً مهمة وبدأت مرحلة متقدمة تشمل تبليط الواجهتين الداخلية والخارجية للسور، وسط توقعات بإنهاء المراحل المتبقية خلال مدة تتراوح بين أربعة وخمسة أشهر.

ولم تكن طريق الترميم مفروشة بالورود، إذ واجه المشروع مجموعة من الإكراهات والمشاكل الميدانية، كان أبرزها استغلال واحتلال أجزاء من السور، ووجود مبانٍ ملتصقة به دون تراخيص قانونية؛ مما شكل عائقاً حقيقياً أمام تقدم الأشغال. وأمام هذا الوضع، تدخلت السلطات المحلية بالتنسيق مع المجلس الجماعي لتارودانت لمعالجة هذه النقاط السوداء، حيث شملت التدخلات، ولا سيما بمنطقة باب تارغونت، إزالة البنايات العشوائية الملتصقة بجدران السور وإفراغ الأبراج التاريخية التي كانت مأهولة بالسكان. وقد أثمرت هذه الخطوات الميدانية نتائج إيجابية ملموسة، لم تقتصر فقط على إبراز القيمة التاريخية والجمالية للسور بعد إزاحة التعديات، بل ساهمت أيضاً في تقليص المخاطر والتحديات التي كانت تهدد سلامة السكان والمارة.

ولا يقتصر هذا المشروع على الترميم المعماري الجاف للسور، بل يندرج ضمن رؤية شمولية وأوسع لإعادة تأهيل محيط المدينة العتيقة بكاملها. ويتضمن هذا البرنامج المتكامل للتهيئة الحضارية والجمالية إضاءة فنية متطورة تُبرز تفاصيل السور ليلاً، وإحداث مساحات خضراء مع عمليات غرس وتشجير واسعة، فضلاً عن تركيب الأثاث الحضري وتوفير فضاءات مخصصة لألعاب الأطفال لتكون منافذ تفكيك متكاملة للساكنة والزوار.

ويندرج مشروع ترميم سور تارودانت ضمن برنامج إعادة بناء وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز، بتكلفة إجمالية تبلغ حوالي 40.275 مليون درهم. وتتكفل وكالة تنمية الأطلس الكبير (AHAD)، المحدثة بموجب المرسوم بقانون رقم 2.23.870، بتوفير التمويل، وذلك بتنسيق ميداني وثيق مع المصالح الإقليمية لقطاع الثقافة، وعمالة إقليم تارودانت، والمجلس الجماعي للمدينة، وبالموازاة مع تأطير تقني دقيق من طرف المختبر العمومي للتجارب والدراسات.

وقد تم تقسيم المشروع إلى حصتين رئيسيتين يبلغ مجموع طوليهما 8634 متراً؛ تخص الحصة الأولى المقطع الممتد من باب السلسلة إلى باب تارغونت – رحال المسكيني في اتجاه باب أولاد بونونة بطول 4580 متراً، وتكلفة تبلغ 23.635 مليون درهم وحددت مدة إنجازها في 10 أشهر. بينما تخص الحصة الثانية المقطع الممتد في اتجاه باب الزركان بطول 4054 متراً، وتكلفة قدرها 16.589 مليون درهم ولنفس مدة الإنجاز (10 أشهر). ويُلاحظ أن مجموع تكلفتي الحصتين يبلغ حوالي 40.224 مليون درهم، وهو ما يتقارب مع الغلاف الإجمالي المعلن للمشروع، مع وجود فارق هامشي قدره 51 ألف درهم يرجع عادة للمصاريف التقنية والدراسات المصاحبة. ومن المنتظر أن يُعيد هذا المشروع الهيكلي لمدينة تارودانت بريقها التاريخي كواحدة من أعرق المدن المحصنة بالمملكة، جامعاً بين رد الاعتبار للتراث المادي وخلق فضاء حضري أزهى وأكثر أماناً لساكنتها.

الأخبار ذات الصلة

1 من 926

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *