تتزايد الدعوات داخل إقليم اشتوكة آيت باها إلى اعتماد مقاربة “تيويزي” كخيار عملي لإعطاء دفعة قوية لمسار التنمية المحلية، وذلك بالنظر لما تحمله هذه الآلية التقليدية من قيم التضامن والتكافل التي ميزت المجتمع السوسي عبر التاريخ، وأسهمت في تجاوز العديد من الإكراهات الطبيعية والاقتصادية.
وتقوم “تيويزي” على فلسفة العمل الجماعي، حيث تتكاثف جهود أفراد الدوار أو القبيلة لإنجاز مهام يصعب على الفرد القيام بها بمفرده، سواء بسبب محدودية الوسائل أو لحجم الأشغال التي تتطلب تضافر عدد كبير من السواعد. وقد شكلت هذه الثقافة، على مدى أجيال، ركيزة أساسية لتنظيم الحياة اليومية في البوادي والمناطق الجبلية، خاصة في ظل قساوة الظروف الطبيعية وصعوبة التضاريس.
وعبر هذا النمط التضامني، تمكنت الساكنة من إنجاز أعمال كبرى، من قبيل استصلاح الأراضي الزراعية وبناء المدرجات الجبلية، وشق المسالك القروية، وإصلاح الطرق المتضررة بفعل الأمطار، إضافة إلى إنجاز منشآت جماعية مثل المخازن التقليدية وخزانات المياه، التي كانت ولا تزال تلعب دورا حيويا في ضمان استقرار العيش بالمناطق القروية.
كما امتدت “تيويزي” إلى المجال الفلاحي، حيث كانت الأسر تتناوب على عمليات الحرث والحصاد والدرس، مستعينة بما يتوفر لدى كل أسرة من إمكانيات، سواء تعلق الأمر بالدواب أو اليد العاملة، في تجسيد واضح لروح التعاون التي تطبع المجتمع المحلي. ولم تقتصر هذه الممارسة على الجوانب الاقتصادية، بل شملت أيضا مبادرات اجتماعية تضامنية، خاصة في أوقات الأزمات، حيث تبرز قيم التآزر بشكل أكبر.
ومع التحولات الاجتماعية، عرفت هذه الثقافة نوعا من التراجع، غير أنها عادت للظهور من خلال العمل الجمعوي، حيث تبنت العديد من الجمعيات المحلية هذا النهج في تنزيل مشاريع تنموية مهمة، خاصة في مجالات البنيات التحتية والتعليم الأولي، وهو ما ساهم في تحسين ظروف العيش بعدد من المناطق القروية.
ويستحضر المتتبعون للشأن الجهوي تجربة إقليم تارودانت الرائدة، التي أطلقها العامل السابق الحسين أمزال سنة 2019، حيث جرى مأسسة “تيويزي” كآلية عمل شملت مختلف الجماعات الترابية. وقد أسفرت هذه التجربة عن نتائج ميدانية ملموسة، تمثلت في فك العزلة عن الدواوير، وتوفير الماء الشروب، وصيانة المؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى تعزيز التعبئة المجتمعية الشاملة، خاصة إبان جائحة كورونا.
إن نجاح هذا النموذج يقوم على خلق دينامية تنموية تنخرط فيها كافة الأطراف: من سلطات إقليمية، وجماعات ترابية، ومجتمع مدني، وقطاع خاص، بالإضافة إلى المساهمة الوازنة لأبناء المنطقة المقيمين بالمغرب وخارجه، ضمن رؤية تشاركية قائمة على تقاسم المسؤولية وتعبئة الموارد.
وبالنظر إلى هذه المؤشرات، يجمع المهتمون على أن إقليم اشتوكة آيت باها يمتلك كافة المقومات لتبني هذا النموذج؛ بفضل نسيجه الجمعوي الذي يعد من بين الأنشط وطنياً، وتراكم تجاربه في المبادرات التضامنية.
إن اعتماد “تيويزي” بشكل منظم ومؤطر يمكن أن يشكل مدخلاً فعالاً لتقليص الفوارق المجالية، وتسريع وتيرة المشاريع المتعثرة، وإشراك الساكنة بشكل مباشر في تدبير شأنها المحلي.
إعادة الاعتبار لثقافة “تيويزي” ليست مجرد استحضار للماضي، بل هي توجه عملي نحو بناء نموذج تنموي قائم على التضامن والمشاركة، ينسجم مع التحديات الراهنة ويستجيب لتطلعات الساكنة في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
A.Boutbaoucht














