أيت ميلك بين حسابات السياسة وانتظارات التنمية

تعيش جماعة أيت ميلك على وقع توتر سياسي متصاعد، بعد توالي أخبار عن استقالة إحدى المستشارات الجماعيات، وتداول معطيات حول استقالتين إضافيتين وُضعتا على طاولة المعارضة، في انتظار الحكم النهائي للمحكمة الإدارية بشأن دعوى تجريد أحد نواب الرئيس من صفته. هذه التطورات أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام مسار قد يقود فعلاً إلى حل المجلس الجماعي، أم أن الأمر لا يعدو كونه ضغطاً سياسياً متبادلاً داخل أغلبية ومعارضة متنافستين؟
الحديث عن “حل المجلس برمته” يتطلب تدقيقاً قانونياً. فحل المجالس الجماعية ليس إجراءً بسيطاً ولا يتم بمجرد استقالات متفرقة، بل يخضع لمقتضيات قانونية دقيقة، سواء تعلق الأمر بفقدان النصاب القانوني، أو اختلال جسيم في التسيير، أو قرارات تصدر عن السلطات المختصة بناءً على تقارير ومعاينات. لذلك، فإن ربط كل استقالة بإمكانية الحل الفوري قد يكون مبالغاً فيه، ما لم تتوافر الشروط القانونية الصريحة.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن تواتر الاستقالات، خصوصاً إذا صدرت عن منتخبين من نفس المكون السياسي، يعكس وجود أزمة داخلية عميقة. فإذا كانت بعض الاستقالات مرتبطة بمتابعة قضائية أو بصراعات تنظيمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تتحول آليات المحاسبة القانونية إلى أدوات في صراع سياسي؟ أم أن الأمر يتعلق فعلاً بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
وسط هذا الجدل، تبدو الساكنة الطرف الأكثر تضرراً. فالمنطقة التي عانت من آثار الفيضانات الأخيرة تحتاج إلى تركيز الجهود على إعادة التأهيل وتسريع وتيرة المشاريع، لا إلى انشغال دائم بصراعات المواقع. التنمية المحلية بطبيعتها عملية تراكمية، وأي تعطيل في القرار أو ارتباك في القيادة ينعكس مباشرة على الخدمات الأساسية والبنيات التحتية وفرص الاستثمار.
الدعوات التي طالبت بإعلان الجماعة “منكوبة” للاستفادة من آليات التعويض تفتح بدورها نقاشاً آخر: هل يكفي توصيف سياسي لوضع ما حتى تُفعَّل صناديق الدعم؟ أم أن الأمر رهين بتقارير تقنية ومعايير محددة تهم حجم الأضرار والخسائر؟ هنا أيضاً، تغليب المقاربة المؤسساتية يبدو أكثر نجاعة من منطق المزايدات.
في المقابل، أشاد عدد من المتتبعين بتدخلات عامل الإقليم ومتابعته لعدد من الأوراش، وهو ما يبرز دور السلطة الإقليمية في ضمان استمرارية المرفق العام وتنسيق الجهود عند الأزمات. غير أن هذا الدور، مهما كان مهماً، لا يعفي المنتخبين من مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية في تدبير الشأن المحلي بروح جماعية.
إن ما يجري في أيت ميلك يطرح سؤالاً أعمق من مجرد استقالات أو تجريد من صفة: ما مدى نضج النخب المحلية في إدارة الخلافات داخل المؤسسات بدل تصديرها إلى الرأي العام بشكل يربك الثقة؟ وهل أصبحت الحسابات الحزبية تطغى على الأولويات التنموية؟
في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة أي مجلس جماعي بعدد أعضائه فقط، بل بقدرته على إنتاج قرارات تخدم الساكنة وتستجيب لحاجياتها. أما إذا تحولت المؤسسة إلى ساحة شدّ وجذب دائم، فإن الخاسر الأكبر لن يكون هذا الحزب أو ذاك، بل الزمن التنموي نفسه، وهو مورد لا يمكن تعويضه بسهولة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 68

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *