تُعدّ العلاقات المغربية-السنغالية من أمتن العلاقات الثنائية في القارة الإفريقية، إذ تقوم على أسس تاريخية وروحية وإنسانية عميقة، جعلت منها نموذجاً للتعاون جنوب-جنوب القائم على الثقة والاحترام المتبادل. ورغم ما رافق التظاهرة الرياضية الأخيرة من توترات عابرة، فإن هذه الأحداث تبقى معزولة ولا ترقى بأي حال إلى زعزعة روابط راسخة صمدت لعقود.
جذور تاريخية وروابط روحية
منذ حصول السنغال على استقلالها سنة 1960، حرصت الرباط ودكار على بناء علاقة دبلوماسية متينة، تعززت بالزيارات الملكية المتعددة، وبالتنسيق السياسي المستمر في القضايا الإقليمية والدولية. وإلى جانب البعد السياسي، تضطلع الروابط الروحية بدور محوري في متانة هذه العلاقة، من خلال الطرق الصوفية، وعلى رأسها التيجانية، التي تربط بين فاس ودكار، وتشكل جسراً روحياً وثقافياً ممتداً عبر الزمن.
تعاون متعدد الأبعاد
شهد التعاون المغربي-السنغالي تطوراً لافتاً شمل عدة مجالات حيوية. ففي قطاع التعليم والتكوين، يستقبل المغرب آلاف الطلبة السنغاليين الذين يتابعون دراستهم في الجامعات والمعاهد المغربية، خاصة في مجالات الشريعة والقانون والعلوم. أما في قطاع الصحة، فقد أُطلقت برامج لتكوين الأطر الطبية وتبادل الخبرات، بما يعزز قدرات المنظومتين الصحيتين في البلدين.
وفي المجالين الفلاحي والبحري، يجسد التعاون المشترك إرادة البلدين في تدبير مستدام للموارد الطبيعية، وتعزيز الأمن الغذائي. كما ساهم المغرب في إنجاز ودعم مشاريع للبنيات التحتية بالسنغال، شملت الطرق والنقل والاتصالات، إضافة إلى اتفاقيات في مجال الماء والتطهير، تهدف إلى تحسين تدبير الموارد المائية.
رهانات إفريقية مشتركة
تتجاوز العلاقة بين الرباط ودكار الإطار الثنائي لتلامس رهانات إفريقية كبرى، من بينها تحقيق الأمن الغذائي في ظل تحديات التغير المناخي، وتطوير الطاقات المتجددة، حيث يشكل المغرب نموذجاً قارياً في الطاقة الشمسية والريحية، فيما تسعى السنغال إلى تنويع مصادرها الطاقية. كما تبرز آفاق واعدة للتعاون في مجال الرقمنة والابتكار، بما يعزز اندماج البلدين في الاقتصاد الإفريقي الجديد.
وعلى المستوى الأمني، يساهم التنسيق السياسي والدبلوماسي بين المغرب والسنغال في دعم الاستقرار بمنطقة غرب إفريقيا، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل.
بعد ثقافي وإنساني يتجاوز الظرفية
العلاقات المغربية-السنغالية لا تختزل في السياسة والاقتصاد فحسب، بل تقوم أيضاً على بعد إنساني وثقافي متين. فالمغرب يحتضن جالية طلابية سنغالية كبيرة، فيما تعيش بالسنغال جالية مغربية نشيطة ومندمجة. كما تشكل الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، فضاءً للتنافس الشريف وجسراً إضافياً لتعزيز الروابط الأخوية، رغم ما قد يرافق بعض المباريات من انفعالات ظرفية.
أحداث عابرة لا تمس جوهر العلاقة
إن ما وقع خلال الكان يبقى في إطار أحداث معزولة لا تعكس عمق العلاقات بين الشعبين والدولتين. فالتاريخ المشترك، والتعاون المتعدد الأبعاد، والروابط الإنسانية والروحية، تشكل ضمانة حقيقية لاستمرار هذه العلاقة قوية ومتينة، بعيدة عن أي توترات عابرة أو تأويلات ظرفية.
وهكذا، تظل العلاقة بين المغرب والسنغال مثالاً إفريقياً ناجحاً لشراكة استراتيجية قائمة على التضامن، وقادرة على تجاوز كل الاختبارات، بما يخدم مصالح الشعبين واستقرار القارة الإفريقية ككل.













