يستعد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، لتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان، في محطة مالية وسياسية تتجاوز الطابع الإجرائي لمناقشة الوثيقة الميزانياتية، لتضع الاختيارات الاقتصادية للحكومة أمام اختبار التوفيق بين صرامة التوازنات المالية وتسارع المطالب الاجتماعية والتنموية.وتكتسي هذه المحطة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع قانون المالية في تحديد أولويات الدولة، وتوزيع الموارد العمومية، ورسم حدود التدخل المالي للحكومة في قطاعات حيوية، من الاستثمار والبنيات التحتية إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتشغيل.
ويجد لقجع نفسه، باعتباره المسؤول الحكومي المكلف بالمالية العمومية ورجل المالية الذي دخل السياسة من بابها الواسع، أمام مهمة دقيقة تتمثل في ترجمة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية إلى اعتمادات مالية قابلة للتنفيذ، في سياق يتطلب تعبئة الموارد، وضبط النفقات، والحفاظ على استدامة المالية العمومية، دون إضعاف دينامية الاستثمار أو تقليص هامش الاستجابة للحاجيات الاجتماعية.وتتجلى في هذا السياق معادلة صعبة بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية؛ إذ لا تقاس أهمية مشروع قانون المالية بحجم الاعتمادات المعلنة وحده، بل بقدرته على تحديد الأولويات بوضوح، وتوجيه الإنفاق العمومي نحو البرامج ذات الأثر المباشر على الاقتصاد والمواطنين.ومن هذا المنطلق، ستتركز الأنظار على التدابير المرتقبة لدعم القدرة الشرائية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية، فضلاً عن مدى قدرة الاختيارات الجبائية والميزانياتية على تحقيق توازن بين تمويل السياسات العمومية والحفاظ على تنافسية المقاولات.
كما يظل التحكم في عجز الميزانية، وتدبير المديونية، ومواصلة إصلاح المنظومة الجبائية، من بين الملفات التي ستحدد هامش الحركة المتاح أمام الحكومة، خصوصاً في ظل تعدد الالتزامات المالية المرتبطة بالأوراش الاجتماعية والاستثمارية الكبرى، مع ما يقتضيه ذلك من إنجاز مختلف المعاملات بفعالية وتوازن.وفي إطار وضع الأرقام في مواجهة انتظارات المواطنين، يمنح تقديم المشروع أمام البرلمان للنواب فرصة مساءلة الحكومة بشأن مدى انسجام التوقعات الاقتصادية مع النتائج المنتظرة على أرض الواقع، ومدى قدرة الاعتمادات المرصودة على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
فالمعيار الأساسي لنجاعة الاختيارات الميزانياتية لا يقتصر على احترام المؤشرات المالية، بل يمتد إلى قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل مستدامة، وتحسين دخل الأسر، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وضمان مردودية أكبر للمال العام.
وفي هذا السياق، سيكون الرهان أمام لقجع هو تقديم اختيارات مالية واضحة، مدعومة بفرضيات اقتصادية واقعية، ومؤشرات قابلة للتقييم، بما يسمح بقياس الفارق بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة عند تنفيذ الميزانية.
وهكذا يأتي مشروع قانون المالية ليختبر الحصيلة والوعود، حيث تمنح مناقشته المؤسسة التشريعية مناسبة للوقوف على مدى قدرة الحكومة على التوفيق بين استدامة المالية العمومية وتمويل الأولويات الاجتماعية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى رفع فعالية الإنفاق العمومي وتحسين أثر السياسات الاقتصادية.
وبين متطلبات الانضباط الميزانياتي وانتظارات الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين، لن يكون التحدي مقتصراً على إعداد ميزانية متوازنة، بل على ضمان أن تتحول الاعتمادات المالية إلى استثمارات منتجة وخدمات عمومية أفضل وفرص شغل إضافية.وتبقى فعالية مشروع قانون المالية رهينة بمدى واقعية فرضياته، ووضوح أولوياته، وقابلية التزاماته للتنفيذ، فضلاً عن آليات التتبع والمساءلة التي ستواكب تنزيله خلال السنة المقبلة.













