في كل موسم انتخابي، يعود إلى الواجهة حديث قديم ومتجدد عن شراء الأصوات وبيعها، وعن أشخاص يتعاملون مع الاستحقاق الانتخابي كما لو أنه سوق مفتوحة للمساومة؛ من يدفع أكثر يحصل على أصوات أكثر، ومن يملك شبكة من الناخبين يصبح قادراً على تحويلها إلى ورقة تفاوض مع المرشحين. المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالمرشح الذي يعرض المال مقابل الصوت، وإنما بظاهرة أكثر تعقيداً، يدخل فيها المرشح والوسيط والناخب، كل واحد من موقعه، فتتحول الانتخابات من مناسبة لاختيار من سيمثل المواطنين إلى عملية حسابية تختزل السياسة في مبلغ مالي مقابل ورقة داخل صندوق الاقتراع.
أخطر ما في الظاهرة أن البعض لم يعد ينظر إلى صوته باعتباره أداة لاختيار من سيدبر الشأن العام، وإنما باعتباره شيئاً يمكن بيعه لمن يقدم المقابل المناسب. وقد يصل الأمر إلى أن يقول شخص بشكل مباشر: “أنا هذاك اللي غانتعاون معاه خاصو يعطيني كذا”، وكأن الأمر يتعلق بصفقة تجارية عادية. والأكثر إثارة للقلق هو ظهور ما يمكن تسميته بـ”تجارة الأصوات”، حيث لا يفاوض بعض الأشخاص على صوتهم فقط، بل يقدمون أنفسهم باعتبارهم قادرين على التأثير في مجموعة من الناخبين. هنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل نحن أمام ناخب يبيع صوته، أم أمام وسيط يبيع أصوات الآخرين؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: تحويل العملية الديمقراطية إلى سوق.
في بعض الحالات، يتم التعامل مع الناخبين بمنطق الأرقام: “عندي خمسون”، “عندي مائة”، “عندي مائتان”، وكأن هؤلاء المواطنين ملكية خاصة يمكن التصرف فيها انتخابياً. وهذا المنطق لا يهين فقط قيمة التصويت، بل ينتقص من استقلالية المواطن نفسه. فالناخب ليس رقماً في لائحة، وليس تابعاً لشخص، ولا يفترض أن يكون صوته قابلاً للبيع أو الضمان أو المقايضة. ومن المفارقات المؤلمة أن بعض الأشخاص قد يقبلون مبالغ محدودة جداً مقابل قرار انتخابي ستكون له تبعات على حياتهم وحياة أبنائهم لسنوات؛ قد يحصل الناخب على مبلغ ينتهي أثره في أيام، بينما يستمر أثر اختياره الانتخابي لسنوات.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة هو: ماذا يمكن أن ننتظر من شخص دفع المال للوصول إلى منصب انتخابي؟ إذا دخل المرشح المنافسة بمنطق الاستثمار المالي، فمن الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً حول كيفية نظره إلى المال العام وإلى المسؤولية التي سيحصل عليها بعد الفوز. فالمنتخب الذي يرى الانتخابات صفقة قد ينظر إلى المنصب باعتباره أيضاً صفقة. وهنا تكمن خطورة الظاهرة، لأن القضية لا تنتهي يوم إعلان النتائج، وإنما قد تبدأ منه. فبعد انتهاء الحملة الانتخابية، يبقى المواطن أمام مشاكل الصحة والتعليم والنقل والتشغيل والبنية التحتية والخدمات العمومية، بينما يكون المنتخب قد أصبح مسؤولاً عن تدبير أو مراقبة أو تشريع أو تمثيل المواطنين بحسب طبيعة المهمة التي انتُخب من أجلها.
من السهل تحميل المرشح الفاسد كل المسؤولية، وهذا صحيح من حيث المبدأ عندما يتعلق الأمر بمن يستعمل المال أو النفوذ للتأثير في إرادة الناخبين. لكن الظاهرة تحتاج إلى قراءة أوسع، فالمرشح الذي يشتري الأصوات يحتاج إلى من يبيعها، ويحتاج أيضاً إلى وسيط يقترح عليه مجموعة من الناخبين ويقدمها له باعتبارها “مضمونة”. وبالتالي تنشأ دائرة مغلقة تبدأ بمرشح يدفع، ثم وسيط يجمع، فناخب يساوم، لأصوات تُباع، حتى يفوز المرشح، ومن ثم يبدأ المواطن في انتظار التغيير. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كيف يمكن لمواطن أن يبيع صوته، ثم يعود بعد الانتخابات نفسها ليشتكي من ضعف الخدمات، وغياب فرص الشغل، ومشاكل الصحة والتعليم، وارتفاع الأسعار؟
المشكلة ليست في قيمة المبلغ فقط، وإنما في اختلال ميزان المقايضة. فالمال الذي يحصل عليه الناخب اليوم ينتهي، لكن القرار الذي ساهم في صناعته قد يستمر لسنوات. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: “بشحال غادي تبيع صوتك؟”، بل: “كم ستكلفك السنوات التي ستعيشها تحت مسؤولية شخص اخترته مقابل ذلك المبلغ؟”. قد تبدو مائة أو مائتي درهم مبلغاً مهماً لشخص يعيش ظروفاً صعبة، لكن قيمة الصوت الانتخابي أكبر بكثير من أي مبلغ عابر؛ فالصوت يحدد من يشرّع، ومن يراقب، ومن يدبر، ومن يمثل المواطنين، ومن يشارك في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم اليومية.
من الضروري أيضاً فهم الجانب الاجتماعي للظاهرة، فالفئات الهشة قد تكون أكثر عرضة للإغراء المالي، خصوصاً عندما تكون الحاجة كبيرة والموارد محدودة. لكن معالجة الفقر شيء، وتحويل الفقر إلى وسيلة للاتجار بالأصوات شيء آخر. المطلوب ليس توجيه الإدانة إلى المواطن البسيط، وإنما بناء وعي انتخابي يجعل المواطن يدرك أن كرامته السياسية لا ينبغي أن تكون رهينة لحاجته الاقتصادية. كما أن مواجهة الظاهرة تتطلب تطبيق القانون بصرامة على كل من يحاول التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، سواء كان مرشحاً أو وسيطاً أو أي طرف آخر.
من أخطر مظاهر هذه الظاهرة أيضاً بروز أشخاص يقدمون أنفسهم للمرشحين باعتبارهم قادرين على “جلب” عشرات أو مئات الأصوات. وهؤلاء لا يتعاملون مع الانتخابات كحق دستوري وممارسة ديمقراطية، وإنما كوسيلة لبناء النفوذ وتحقيق المكاسب الشخصية. والسؤال هنا أيضاً: هل هؤلاء فعلاً يملكون أصوات الناس؟ أم أنهم يستغلون علاقاتهم وحاجات بعض المواطنين للضغط والمساومة؟ فالإنسان الحر يمكن أن يستمع إلى نصيحة، ويمكن أن يقتنع ببرنامج، لكنه في النهاية هو وحده من يقرر داخل المعزل الانتخابي.
الديمقراطية ليست صندوقاً يوضع أمام المواطن في يوم واحد، بل تبدأ من وعي المواطن بقيمة صوته، ومن احترام المرشح لعقل الناخب، ومن تقديم البرامج بدل شراء الولاءات، ومن قدرة المجتمع على محاسبة من يصل إلى المسؤولية. أما عندما يصبح المال هو لغة الحملة، والوسيط هو صاحب النفوذ، والصوت هو السلعة، فإن الانتخابات تفقد جزءاً من معناها الحقيقي. والأخطر أن المجتمع قد يدخل في حلقة مفرغة: نبيع الصوت لأننا لا نثق في السياسي، ثم ننتخب بطريقة تساهم في وصول سياسي لا يستحق الثقة، ثم نشتكي من السياسي نفسه.
ليس من العدل اختزال ظاهرة الفساد الانتخابي في المواطن وحده، كما أنه ليس من الصواب إعفاء الناخب من أي مسؤولية، فالمسؤولية موزعة بحسب الأفعال: المرشح الذي يشتري الأصوات يتحمل مسؤولية فعلته، والوسيط الذي يتاجر بأصوات الناس يتحمل مسؤوليته، والناخب الذي يقبل بيع صوته يساهم، بوعي أو دون وعي، في استمرار السوق الانتخابية. لكن الحلقة الأخطر هي عندما تصبح هذه الممارسات ثقافة مقبولة، وعندما يتعامل المجتمع معها باعتبارها جزءاً عادياً من الانتخابات. عندها لا تعود المشكلة في مرشح واحد أو ناخب واحد، بل تصبح مشكلة في البيئة التي تسمح للمال بأن ينافس البرنامج، وللوساطة بأن تنافس الكفاءة، ولالصفقة أن تنافس المصلحة العامة.
قد يربح شخص مبلغاً من المال مقابل صوته، وقد يربح وسيط عمولة أو مكسباً، وقد يصل مرشح إلى المنصب، لكن من يدفع الثمن الحقيقي هو المواطن نفسه عندما تتحول الانتخابات إلى سوق، وعندما يصبح الوصول إلى المسؤولية مرتبطاً بالقدرة على الإنفاق بدل القدرة على الإقناع والعمل والكفاءة. لذلك، فإن معركة نزاهة الانتخابات لا تبدأ فقط من مراقبة المرشحين، وإنما تبدأ أيضاً من استعادة قيمة الصوت الانتخابي في وعي المواطن. فالصوت الذي يباع اليوم بثمن زهيد قد تكون كلفته غداً مدرسة لا تُبنى، أو مستشفى لا يتطور، أو طريقاً لا تُصلح، أو فرصة عمل لا تأتي. الانتخابات ليست سوقاً للمزايدة، والناخب ليس بضاعة، والصوت ليس ورقة للبيع.
و يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً: إذا كان المواطن يشتكي من المنتخب الذي لا يخدمه، فهل راجع يوماً الطريقة التي اختار بها ذلك المنتخب؟
A.Boutbaoucht










