ليست كل الاستقالات حدثًا عابرًا في الحياة السياسية، فبعضها يتحول إلى رسالة أقوى من البقاء داخل المؤسسة. وهذا ما توحي به الاستقالة التي أعلنتها عضوة مجلس جهة سوس ماسة، خديجة الفلاكي، والتي اختارت أن تغادر وهي تتحدث عن “أبواب أغلقت من الداخل”، وعن “صمت أصبح ثمنًا غير معلن للبقاء”، وعن “استخفاف بالترافع”، وهي عبارات ثقيلة سياسيًا لا يمكن المرور عليها مرور الكرام.
فإذا كانت مؤسسة دستورية بحجم مجلس الجهة تُدار بمنطق الحوار والاختلاف المنتج، فكيف تصل عضوة منتخبة إلى قناعة مفادها أن لا جدوى من الاستمرار؟ وإذا كانت قد استنفدت، كما تقول، كل وسائل العمل من داخل المؤسسة، فلماذا لم تجد آذانًا صاغية؟ ومن المسؤول عن هذا الانسداد؟
الأخطر في هذه القضية ليس الاستقالة في حد ذاتها، بل الرسائل التي حملتها. فعندما تتحدث منتخبة عن غياب الإنصات، فإن السؤال لا يتعلق بشخصها وحدها، بل بمدى احترام المؤسسة لحق جميع المنتخبين في إبداء الرأي والترافع عن قضايا المواطنين.
إن المجالس المنتخبة لم تُنشأ لتكون فضاءات للتصفيق أو المصادقة الصامتة، وإنما لتكون مؤسسات للنقاش، والمساءلة، وتبادل الرؤى، وصناعة القرار. وأي شعور لدى أحد أعضائها بأن صوته فقد قيمته، يستحق التوقف عنده بجدية، لأن الخاسر في النهاية ليس العضو المستقيل فقط، بل صورة المؤسسة وثقة المواطنين فيها.
وبالقدر نفسه، فإن الإنصاف يقتضي عدم الاكتفاء برواية طرف واحد. فمن حق الرأي العام أن يستمع أيضًا إلى توضيحات رئاسة مجلس جهة سوس ماسة، وأن يعرف إن كانت هذه الاستقالة تعكس خلافًا سياسيًا عاديًا، أم أنها ترتبط بوقائع محددة، أم أنها مجرد قراءة شخصية لطريقة تدبير المؤسسة.
اليوم، لم يعد السؤال: لماذا استقالت خديجة الفلاكي؟ بل أصبح السؤال الأكبر: هل توفر مؤسساتنا المنتخبة فضاءً حقيقيًا للحوار، أم أن بعض الأصوات تشعر بأنها لا تُسمع إلا عندما تغادر؟
إن قوة المؤسسات لا تُقاس بعدد المشاريع التي تعلن عنها فقط، بل أيضًا بقدرتها على احتضان الاختلاف، واحترام الرأي المخالف، وإقناع المنتخبين بالبقاء عبر الحوار لا عبر الصمت.
قد تكون الاستقالة نهاية لمسار داخل مجلس جهة سوس ماسة، لكنها في الوقت نفسه بداية لأسئلة سياسية مشروعة تنتظر أجوبة واضحة. فالمواطن الذي منح صوته للمنتخبين لا يهمه تبادل الرسائل عبر مواقع التواصل الاجتماعي بقدر ما يهمه أن يعرف: هل تشتغل مؤسساته بروح الديمقراطية التي يضمنها الدستور، أم أن هناك اختلالات تستوجب المكاشفة والتصحيح؟
إن أفضل رد على مثل هذه الاستقالات ليس السجال، ولا التجاهل، بل الشفافية. فالمؤسسات القوية لا تخشى الأسئلة، بل تعتبرها جزءًا من مسؤوليتها أمام المواطنين.
إذا كان هدفك النشر في جريدة ذات خط تحريري نقدي، فيمكن جعل الافتتاحية أكثر جرأة من خلال التركيز على المساءلة السياسية وحق المواطنين في معرفة الحقيقة، مع تجنب الجزم بوقوع اختلالات أو ممارسات لم تثبت بأدلة.
عندما تستقيل الأصوات… من يحاور داخل مجلس جهة سوس ماسة؟










