مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يعود إلى الواجهة نقاش يتكرر مع كل موعد انتخابي حول حصيلة البرلمانيين ومدى نجاحهم في تمثيل المواطنين، غير أن هذا النقاش غالباً ما ينطلق من تصور غير دقيق لطبيعة المهام التي يضطلع بها النائب البرلماني، حيث يربط عدد كبير من المواطنين أداءه بإنجاز الطرق والقناطر والإنارة العمومية والملاعب وغيرها من مشاريع البنية التحتية، والواقع أن هذه النظرة، رغم انتشارها، لا تعكس الاختصاصات الحقيقية التي يمنحها الدستور والقانون للبرلمانيين.
ففي الأنظمة الديمقراطية، ومنها المغرب، لا يعد البرلماني مسؤولاً مباشراً عن تنفيذ المشاريع التنموية أو تدبير الميزانيات المحلية، لأن هذه المهام تدخل حصرياً ضمن اختصاصات المجالس المنتخبة للجماعات الترابية، ومجالس الجهات، ومجالس العمالات والأقاليم، إضافة إلى القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية المعنية، أما المهمة الأساسية للبرلماني فتتمثل أولاً في التشريع، أي إعداد ومناقشة والتصويت على القوانين التي تنظم مختلف مناحي الحياة العامة، كالصحة والتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية.
كما يضطلع البرلماني بدور محوري ثانٍ يتمثل في مراقبة عمل الحكومة وتتبع الأداء التنفيذي، وذلك من خلال توجيه الأسئلة الشفوية والكتابية للوزراء، ومناقشة السياسات العمومية، والمشاركة في لجان تقصي الحقائق، ومراقبة كيفية صرف المال العام ومدى تنفيذ الالتزامات الحكومية، إلى جانب مساهمته في تقييم السياسات العمومية لقياس أثر البرامج الحكومية على أرض الواقع وضمان فعاليتها.
هذا المفهوم لا يعني أن البرلماني معزول عن قضايا دائرته الانتخابية أو غير معني بمشاكلها اليومية، بل إن من صميم مهامه الترافع عن مصالح الساكنة ونقل مطالبها إلى القطاعات الحكومية المختصة، والدفاع عن المشاريع التي تحتاجها المنطقة، والسعي إلى إدراجها ضمن البرامج التنموية الوطنية والجهوية، دون أن يملك سلطة تنفيذها بصفة مباشرة.
بناءً على ذلك، فإن تقييم أداء البرلماني يجب أن ينطلق من حصيلته التشريعية والرقابية والترافعية، وعدد المبادرات والمقترحات التي تقدم بها داخل المؤسسة التشريعية، وليس من عدد الطرق أو المرافق التي تم إنجازها،
تعزيز الوعي بهذه الأدوار من شأنه أن يساعد المواطنين على اتخاذ قرارات واعية ومسؤولة، ويساهم في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على ربط المسؤولية بالاختصاص، بدل تحميل المنتخبين مهام لا يمنحها لهم القانون أصلاً، فالديمقراطية السليمة تبدأ دائماً من الفهم الدقيق لأدوار المؤسسات وحدود اختصاص كل فاعل سياسي.
A.Bout














