في جسم الانسان يحتل القلب والدماغ مركزي التموين والتفكير أي الموارد و القرار. لكن يعيشان وينموان داخل جسم له اطراف و عضلات وعظام و جلد و جهاز هضمي وتنفسي و غيرهم. لا غنى للقلب والدماغ عن باقي أعضاء الجسم رغم البعد والوضاعة, العدد و النجاسة أحيانا. ولا غنى للجسم عن قلب صحیح مكانيكيا وسليم خلقيا و عقديا ولا غنى عن دماغ يفكر منطقيا ويختار اختيارات سليمة صحية تعود بالنفع على الجسم كله.
العلاقة السليمة إذن تكون تكاملية. كل في مجال اختصاصه وحسب حاجاته ليؤدي وظيفته على أكمل وجه، دون تنقيص أو احتقار أو حرمان أو تفريط أو إفراط في أداء المهام والوظائف.
فعندما ينكسر أصغر أصبع في قدم الانسان ، تتباطؤ حركته و يقل نشاطه و قد يمنعه ذلك من العمل و كسب قوت يومه فيهتم و يقلق لذلك قلبه. وينشغل دماغه امام أبسط عضو بعيد قد لا يبدو مهما وذا شان . والأمثلة كثيرة في هذا الصدد لا مجال لبسطها .
هذا النسق المتوازن في جسم الانسان هو من صنع الرحمان الذي خلق کل شیء بميزان.
لكن في عالم السياسة، حيث يتدخل البشر بكل تعقيداته و مخاوفه و دوافعه المعلنة منها والمضمرة ، يظل البحث عن التوازنات مسلسلا شاقا و صعبا، مستمرا في الزمان والمكان و غير مستقر في كثير من الاحيان.
ينطبق هذا البحث المستمر عن التوازن على كافة المستويات المحلية والاقليمية والجهوية وداخل الوطن الواحد وبين أقطاب العالم.
على المستوى المحلي ، أي مدينة آيت ملول نموذجا ، يعاني سكان أحياء الهامش (المزار -أزرو) من الشعور بالإقصاء والتهميش من طرف مركز المدينة المستأثر حقيقة أو توهما بالاهتمام من طرف الرئيس ومكتبه.
و نفس الشيء، عندما ننظر في العلاقة بين مركز الاقليم مدينة إنزكان وباقي الجماعات المكونة لتراب عمالة انزكان – أيت ملول التي تعاني بدورها من تهميش قد يكون وهميا أو حقيقيا ملموسا أو محسوسا عند البعض، من طرف رئيس مجلس الجهة و مكتبه.
وتختلف القراءة والحكم حسب الانتماء السياسي والتمركز في أجهزة صنع القرار و حسب الاستفادة المادية أو المعنوية عند كل منتخَب أو مواطن. فلكل دوافعه ومصالحه وتوجساته و مخاوفه.
خد مثلا ، مجال النظافة ، فطبيعة الانسان انه يحب النظافة لأنها ترتبط بصحته وسلامته. لكن عند توزيع حاويات الأزبال تجد فروقات كثيرة عند السكان فلا أحد يودّ أن تقترب من بيته أو محل عمله مما يستصعب اتخاذ القرار. في مجال التهيئة الحضرية، كلنا يرغب في مرافق عمومية قريبة من سكنانا لما في ذلك من مصالح كثيرة لكن ما أن يتعلق الأمر بنزع ملكية الارض ترى المرء يعترض و يتذمر من ذلك. مما يحيلنا على إشكال آخر أكثر أهمية هو العلاقة بين الفرد والمجتمع. وهذا ليس موضوعنا الآن.
فإيجاد التوازن ، يستلزم جهدا مسترسلا والتزاما خُلقيا دائما بين العضو المنتخَب و الساكنة المنتخِبة له من جهة و بينه وبين الرئيس ومكتبه و مجلسه من جهة أخرى. هذا الجهد في الترافع والتواصل برفق أحيانا و بشدة أحيانا، في السر تارة وعلنا تارات حسب الظروف و موازين القوى.
لا أحد يحب أن يظهر ضعيفا مغلوبا عليه خصوصا في العلن. ولهذا تُقضى أغلب المصالح ، المشروعة طبعا ، بالرفق والترافع الحسن والنصح الجميل. لأن منطق التنازع والمغالبة و الصراع يفضي إلى مكايدات لا حصر لها ولا طائل منها غير الاستنزاف والقطيعة. غير أن البعض قد يعتبر التعقّل و الكياسة ضعفا ومسكنة. فيتمادى في التهميش والإقصاء.
من حسن حظ الساكنة أن الدولة وضعت ميكانيزمات لاستدراک النقص و التهميش. فوضعت لذلك برامج مثل ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وسياسة المدينة و وضعت ذلك تحت اشراف الادارة الترابية. فلو تركته للمنتخَبين والسياسيين فقط لفسدت الأمور أيما فساد. وانا شاهد على ذلك كوني ابن حي هامشي من احياء مدينة أيت ملول. لكني، أُلزِم نفسي الضعيفة بالإنصاف. فقد أُنجز الكثير و بقي الكثير أيضا.
فالمنتخَب في نظري ، كالمحامي دوره الترافع عن الموكّل رغم علمه بخبايا الوقائع وليس دورُه تسليم زبنائه والاعتراف ضدهم . لكن ترافع المنتخَب ينبغي أن يكون منضبطا غير مبالغ فيه،
كي لا يثير حفيظة الرئيس ومن معه ، ويُفهَم تفانيه على أنه مزاحمة للرئيس في مكانته حالا أو مستقبلا. وأما من ترك الترافع لفظتْه الساكنة لضعفه عند البعض أو اتهامه عند البعض الآخر.
فنقطة التوازن خفية وحساسة وتتحرك باستمرار. “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين “.
عضو مجلس جهة سوس ماسة و عضو مجلس بلدية أيت ملول











