حمى الانتقالات الحزبية بسوس ماسة: “الميركاتو” الانتخابي يهز القلاع السياسية بالجهة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تعيش جهة سوس ماسة على إيقاع حركية غير عادية داخل كواليس مشهدها السياسي. هذه الحركية، التي بات يُطلق عليها محلياً “الميركاتو الانتخابي”، ليست سوى الوجه البارز لظاهرة “الترحال السياسي” التي تشتد حمّاها كلما لاحت صناديق الاقتراع في الأفق، حيث يشهد المشهد الحزبي بالجهة إعادة تموقع واسعة النطاق لعدد من الفاعلين والمنتخبين البارزين الذين يغيرون انتماءاتهم السياسية بحثاً عن ضمان الاستمرارية في المشهد الانتخابي.

ولا يمكن قراءة ظاهرة الانتقالات الحزبية بجهة سوس ماسة بمعزل عن طبيعتها السوسيو-سياسية الفريدة، ففي هذه الرقعة الجغرافية، يطغى منطق “الأعيان” والروابط العائلية والقبلية وشبكات المصالح المحلية على الانتماء الإيديولوجي الصرف للأحزاب. هنا، يعتبر الكثير من المنتخبين والبرلمانيين أن “الرأسمال الانتخابي” و”القاعدة الشعبية” هما ملكية شخصية صرفة بناها الفاعل السياسي برصيده الخاص وعلاقاته المباشرة مع الساكنة، وليس بفضل الحزب الذي يترشح باسمه، وهو ما يمنح المنتخب “الجرأة السياسية” لتغيير لونه الحزبي وضمان نقل خزان أصواته معه إلى وجهته الجديدة دون تخوف من العقاب الانتخابي.

وتشهد الأقاليم الكبرى بالجهة، مثل أكادير إداوتنان، إنزكان أيت ملول، وتارودانت، صراعاً صامتاً ومفاوضات ماراثونية غير معلنة بين قيادات الأحزاب لاستقطاب الوجوه “الوازنة”. وتتحول الدوائر الانتخابية في هذه المناطق إلى ساحات استقطاب حاد، حيث تسعى الهيئات السياسية إلى ترميم قلاعها أو اختراق قلاع الخصوم عبر إغراء “صقور الانتخابات” بالتزكيات، في حين يجد العديد من المنتخبين أنفسهم مدفوعين للترحال بسبب صراعات التزكيات الداخلية، أو رغبة في القفز من “سفينة” حزب تراجع بريقه إلى مقطورة حزب صاعد، أو نتيجة غياب الديمقراطية الداخلية في بعض التنسيقيات الإقليمية.

وتثير هذه الظاهرة انقساماً حاداً في الأوساط المتتبعة للشأن المحلي بجهة سوس ماسة؛ فبينما يرى فيها المدافعون نوعاً من “المرونة والحركية السياسية” الضرورية لإعادة فرز النخب وتجديد الدماء داخل المجالس الجماعية والإقليمية وتجاوز حالة الجمود التنظيمي، يعتبرها المنتقدون والمحللون تحايلاً على القوانين المانعة للترحال (عبر تقديم استقالات استباقية أو تجميد الأنشطة)، ويرون أنها تضرب مصداقية العمل السياسي وتكرس العزوف الانتخابي، حيث يجد المواطن السوسي نفسه أمام “شيكات على بياض” تُمنح لأشخاص تتغير ألوانهم السياسية بين عشية وضحاها.

استمرار ظاهرة الترحال السياسي بجهة سوس ماسة يضع الأحزاب السياسية أمام مسؤوليتها التاريخية، فالاعتماد على “الوافدين الجدد” الجاهزين انتخابياً قد يضمن مقاعد عابرة، لكنه يرهن الاستقرار التنظيمي للأحزاب ويهمش النخب الشابة والمحلية التي تشتغل طيلة الولاية الانتدابية. وتبقى شوارع وأحياء جهة سوس ماسة، من كورنيش أكادير إلى أحياء أيت ملول وهضاب اشتوكة ايت باها وتارودانت، الشاهد الحقيقي على هذه التحولات، في انتظار غدٍ انتخابي كفيل بتأكيد ما إذا كان “الميركاتو” قد حقق أهدافه، أم أن الناخب السوسي بات يملك من الوعي ما يجعله يعيد ترتيب الأوراق بناءً على البرامج لا على الأشخاص.

 

A.Boutbaoucht

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬398

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *