يواجه العمل السياسي في إقليم اشتوكة أيت باها اليوم أزمة عميقة تتجاوز مجرد الصراع التقليدي على المقاعد، لتطال جوهر الممارسة الديمقراطية ومعناها الأخلاقي.
لقد استحال المشهد الحزبي في الإقليم إلى سلوك موسمي فج، يزدهر مع اقتراب صناديق الاقتراع ثم ينكفئ خلف جدران المصالح الضيقة بمجرد إعلان النتائج، حيث لم تعد المشكلة تكمن في هوية الفائز أو الخاسر، بل في فقدان السياسة لجوهرها بعدما أصبحت الأحزاب مجرد “دكاكين انتخابية” ومطية للوصول إلى المناصب لا لخدمة الصالح العام.
إن ظاهرة “الترحال السياسي” التي يشهدها الإقليم لم تعد تعكس مراجعات فكرية أو قناعات مبدئية، بل تحولت إلى عادة مكرسة مرتبطة حصراً بالبحث عن “التزكية الأضمن” والتموقع الشخصي؛ إذ أصبح تغيير الألوان الحزبية يشبه تبديل الأقمصة الرياضية، حيث يغيب الوفاء للمبادئ ويحضر منطق الربح السريع، مما أفرغ الشعارات الحزبية من محتواها وحولها إلى مجرد ديكور لتزيين الحملات الانتخابية العابرة.
وفي خضم هذا العبث السياسي، يبرز مصير المناضلين الصادقين كأكبر ضحية لهذا الواقع المرير؛ أولئك الذين يحملون هموم الإقليم ويحترقون في العمل الميداني الشاق لإقناع المواطنين ببرامج قد لا يؤمن بها حتى قادة أحزابهم، يجدون أنفسهم في نهاية المطاف مجرد “وقود” للمعارك ووسائل يتم استغلال طاقتهم ثم تهميشهم فوراً عند توزيع التزكيات لصالح أصحاب الجاه والنفوذ والمال، الذين يشترون مكانتهم بالولاءات المادية لا بالرصيد النضالي، مما يعكس هيمنة منطق “الغنيمة” على منطق “الاستحقاق”.
إقليم اشتوكة أيت باها، بتحدياته التنموية الكبرى وقضاياه الشائكة المرتبطة بالماء والتعليم والصحة والبنية التحتية، لا يمكن أن ينهض بعقليات “الترحال” والبحث عن الغنائم الشخصية. فالإقليم بحاجة ماسة اليوم إلى ثورة أخلاقية داخل الهياكل الحزبية، تقوم على الشفافية والمحاسبة واحترام التراكم النضالي، لأن استمرار الانتهازية السياسية لن يؤدي إلا إلى تعميق هوة فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالمصداقية والقرب الدائم من نبض الشارع هما المصدر الوحيد للشرعية الحقيقية، أما تغيير الألوان فلا يصنع رجالات دولة، بل يصنع أرقاماً عابرة في بورصة الانتخابات التي لا تخدم إلا أصحابها.












