شهدت قضية تلويح المصدرين والمنتجين الفلاحيين بنقل استثماراتهم نحو دول الجوار تطورات حاسمة، كشفت عن حقائق كانت مغيبة خلف كواليس اتخاذ القرار. فبينما حاولت المؤسسة المستقلة لمراقبة وتنسيق الصادرات (موروكو فودكس) توريط وزارة الداخلية في قرار الوقف المفاجئ لتصدير الطماطم لتبرير ارتباكها الإداري، أظهرت المعطيات الميدانية أن “أم الوزارات” كانت هي الطرف الأكثر حرصاً على مصالح الفلاحين وحماية التزاماتهم.
وتشير الحقيقة الميدانية إلى أن وزارة الداخلية، وفي إطار دورها السيادي والتحكيمي، لم تتدخل لفرض المنع كما رُوّج له، بل طالبت بمدها بلائحة دقيقة وشاملة لكافة المصدرين والمنتجين الذين شحنوا شاحناتهم بالفعل وباتوا جاهزين للتوجه نحو الخارج. ولم يكن هذا الطلب لغرض إحصائي أو رقابي محض، بل كان الهدف منه هو ضمان السماح لجميع هذه الشاحنات بالمغادرة وعدم تفعيل قرار وقف التصدير إلا بعد عبور آخر شاحنة مشحونة، تفادياً لتكبيد الفلاحين خسائر مادية فادحة وضماناً لوفائهم بعقودهم الدولية.
هذا المعطى يضع “موروكو فودكس” في موقف حرج للغاية؛ إذ تظهر المؤسسة كجهة حاولت التنصل من مسؤوليتها عن “التعليمات الشفوية” المتسرعة عبر الاحتماء بوزارة الداخلية، بينما كانت الأخيرة هي التي وضعت “صمام أمان” يحمي المستثمرين من تبعات القرارات الفجائية،فهذا الارتباك المؤسساتي من جانب الجهات الوصية على التصدير هو ما تسبب في عرقلة الشاحنات بمعبر الكركرات، وليس العكس.
محاولة إلقاء اللوم على وزارة الداخلية لتغطية غياب الرؤية الاستباقية لدى المصالح الفلاحية المختصة، باتت اليوم ورقة محترقة. فالفلاح المغربي يدرك الآن أن التهديد الحقيقي لاستثماراته لا يأتي من الجهات الرقابية، بل من غياب التنسيق والارتجالية في تدبير القطاع. وإذا ما استمرت هذه الممارسات التي تفتقر للمصداقية، فإن “هجرة الاستثمارات” نحو بيئات أكثر استقراراً ووضوحاً ستظل شبحاً يطارد السيادة الغذائية الوطنية، ما لم يتم رد الاعتبار لمنطق الحوار والوضوح الإداري الذي جسده تدخل وزارة الداخلية في هذه الأزمة.















