تواجه الفلاحة المغربية اليوم واحداً من أصعب اختباراتها التنظيمية، حيث تصاعدت في الآونة الأخيرة نبرة الاستياء بين المنتجين والمصدرين المغاربة، لتصل إلى حد التلويح بنقل استثماراتهم بالكامل نحو دول الجوار مثل موريتانيا والسنغال. هذا التحول الدراماتيكي يأتي كرد فعل على قرارات فجائية بوقف تصدير الطماطم نحو الأسواق الإفريقية، وهو ما اعتبره المهنيون “ضربة موجعة” للاستقرار الاستثماري في قطاع يُعد ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
أصل الأزمة يعود إلى تعليمات أصدرتها المؤسسة المستقلة لمراقبة وتنسيق الصادرات (موروكو فودكس) بوقف شحن الطماطم إلى الخارج لمحاصرة ارتفاع أسعارها في الأسواق المحلية. ورغم أن المهنيين يقرون بأولوية الأمن الغذائي وحماية القدرة الشرائية للمواطن المغربي، إلا أن اعتراضهم ينصب على “أسلوب التدبير”؛ حيث نُفذ القرار بشكل فوري وارتجالي دون تشاور مسبق أو منح مهلة زمنية لتسوية الالتزامات الدولية، مما ترك شاحنات محملة بالخضر عالقة في معبر الكركرات، مهددة بضياع السلع وتكبيد الفلاحين خسائر مالية فادحة.
إن غياب المقاربة التشاركية والحوار بين الإدارة والمهنيين خلق حالة من عدم اليقين؛ فالفلاح الذي يرتبط بعقود توريد دولية ويواجه تكاليف إنتاج باهظة، بات ينظر إلى البيئة الاستثمارية المحلية بوصفها “غير مستقرة”. وفي هذا السياق، يبرز التوجه نحو موريتانيا والسنغال كبديل مغرٍ، حيث تقدم هذه الدول تسهيلات وضمانات للمستثمرين الفلاحين في إطار سعيها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بعيداً عن القرارات الفجائية التي قد تعصف بسلاسل التوريد في ليلة وضحاها.
علاوة على ذلك، يرفض الفاعلون المهنيون جعل “التصدير” مشجباً تُعلق عليه إخفاقات ضبط الأسواق الداخلية؛ فالتصدير نحو إفريقيا تراجع فعلياً بنسبة تفوق 40%، ومع ذلك استمرت الأسعار في الارتفاع، مما يشير إلى وجود خلل في منظومة الوساطة والمضاربة المحلية وليس في حجم الصادرات.
استمرار هذا الوضع قد يحول المغرب من وجهة موثوقة عالمياً إلى “شريك غير مستقر” في نظر المستوردين الأفارقة، مما يهدد بفقدان أسواق استراتيجية تم بناؤها على مدى عقود، ويفرض سؤالاً جوهرياً: هل تضحي السياسات الحالية بمدخرات الغد من أجل حلول ترقيعية لغلاء اليوم؟














