تحرير الملك العمومي بجماعة آيت اعميرة: بين طموح القرار وعقبات التعثر

شهدت جماعة آيت اعميرة، بإقليم اشتوكة آيت باها، خلال الأشهر الماضية نقاشاً متصاعداً حول قضية تحرير الملك العمومي؛ باعتبارها إحدى القضايا الجوهرية المرتبطة بجودة العيش داخل المجال الحضري، وبحق المواطنين في ارتياد الفضاءات العامة دون تضييق أو احتلال غير قانوني. وهي قضية لا تنحصر في بعدها المحلي فحسب، بل تندرج ضمن إشكال وطني أوسع يتعلق بتنظيم المجال العام وفرض سيادة القانون.

وكان المجلس الجماعي لآيت اعميرة قد صادق بالإجماع، قبل أشهر، على قرار يقضي بتحرير الملك العمومي، في خطوة وُصفت حينها بالإيجابية، وعكست – نظرياً – إرادة جماعية للقطع مع مظاهر الفوضى التي تجتاح الأرصفة والفضاءات المشتركة، وتحسين المشهد الحضري للجماعة. غير أن هذا القرار، رغم أهميته، ظل إلى حدود الساعة حبيس الرفوف دون تفعيل فعلي على أرض الواقع، مما فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا التعثر ومآلاته.

خلفيات القرار
يأتي قرار تحرير الملك العمومي في سياق السياسة الوطنية التي تشرف عليها وزارة الداخلية، والهادفة إلى إعادة الاعتبار للفضاءات العمومية وضمان حق المواطنين، لا سيما الراجلين وذوي الاحتياجات الخاصة، في استعمال الأرصفة والساحات العمومية بشكل آمن ومنظم.

وعلى المستوى المحلي، شكل هذا القرار استجابة مباشرة لشكايات متكررة من الساكنة، التي عبرت مراراً عن معاناتها اليومية جراء صعوبة التنقل، بسبب الاستغلال المفرط للمحلات التجارية التي تجاوزت حدودها القانونية، فضلاً عن الانتشار الواسع للباعة الجائلين الذين يحتلون أجزاء حيوية من الأرصفة والطرقات.

أسباب التعثر.. بين المعلن والمسكوت عنه
رغم مرور حيز زمني كافٍ على المصادقة على القرار، لم يصدر عن الجماعة أي بلاغ رسمي أو توضيح للرأي العام يشرح مبررات عدم التنزيل، مما عمّق حالة الغموض المحيطة بهذا الملف.

ويرجح متتبعو الشأن المحلي أن التعثر مرتبط بغياب بدائل واقعية لإعادة تنظيم الباعة الجائلين، سواء عبر إحداث أسواق نموذجية أو فضاءات تجارية مهيكلة؛ ما يجعل أي تدخل ميداني مفاجئ محفوفاً بتداعيات اجتماعية واقتصادية معقدة.

في المقابل، يرى فاعلون آخرون أن ضغط الواقع الاجتماعي، والتخوف من الاحتقان، يمثلان عاملين أساسيين في التريث – أو التراجع غير المعلن – عن التنفيذ. كما لا يُستبعد أن يكون ضعف التنسيق بين السلطات المحلية والمجلس الجماعي سبباً مباشراً في تجميد القرار، رغم توفر الغطاء القانوني والسياسي لتفعيله.

تداعيات استمرار الوضع القائم
إن استمرار احتلال الملك العمومي لا يضرب فقط في العمق حق المواطن في التنقل السلس، بل يسيء أيضاً لجمالية المركز الحضري وصورة الجماعة، ويكرس شعوراً بالفوضى وضعف سلطة القانون.

علاوة على ذلك، فإن غياب التواصل الرسمي والتوضيح المؤسساتي يساهم في تآكل منسوب الثقة بين الساكنة والمجلس الجماعي، ويغذي الشائعات والتأويلات حول خلفيات هذا التجميد. ومع ذلك، يظل القرار المصادق عليه بالإجماع “ورقة حية” يمكن تفعيلها في أي لحظة، متى توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة والحلول العملية التي تزاوج بين البعد الاجتماعي ومتطلبات التنظيم الحضري.

إن ملف تحرير الملك العمومي بآيت اعميرة يتجاوز كونه إجراءً إدارياً عابراً، ليصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجلس الجماعي على أجرأة قراراته، وموازنة الالتزامات الاجتماعية بضرورة فرض النظام. وبين قرار حظي بإجماع سياسي وتعثر في التنفيذ، يبقى السؤال معلقاً: هل ستبادر الجماعة إلى مصارحة الساكنة بكشف أسباب التأخير وطرح حلول قابلة للتطبيق، أم سيظل هذا الملف مؤجلاً إلى إشعار آخر؟

 

الصورة تعود لسنة 2022

الأخبار ذات الصلة

1 من 68

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *