“ريع التعمير” تحت المجهر: وزارة الداخلية تفتح علبة سوداء لمكاتب الاستشارات “المشبوهة”

أفادت مصادر صحفية بتسريع مصالح الإدارات الترابية على مستوى عدة عمالات وأقاليم وتيرة الأبحاث الإدارية الجارية، وذلك بتوجيهات مباشرة من المصالح المركزية بوزارة الداخلية، على خلفية شبهات خروقات خطيرة تورّط فيها موظفون وتقنيون بأقسام ومصالح التعمير بعدد كبير من الجماعات المحلية. وتهم هذه الشبهات استغلال النفوذ وخلق ريع غير مشروع عبر ما بات يُعرف بـ“استشارات التعمير”.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن الأبحاث كشفت عن لجوء مسؤولين وتقنيين داخل أقسام التعمير إلى إحداث مكاتب استشارات عقارية بأسماء أقارب أو شركاء صوريين، تتكلف بتقديم الاستشارات وإتمام المساطر الإدارية المرتبطة بالبناء، في تضارب صارخ مع واجبات الحياد والنزاهة المفروضة على الموظف العمومي.
وأكدت المصادر ذاتها أن السلطات العاملية وجهت استفسارات عاجلة إلى عدد من الموظفين والتقنيين، بعد ورود معطيات تفيد بتعمد بعضهم عرقلة مساطر الحصول على وثائق التعمير، من خلال التأخير غير المبرر أو الإغراق في طلب وثائق إضافية، قبل توجيه المرتفقين بشكل غير مباشر إلى مكاتب استشارات بعينها “لتسهيل” الإجراءات وإعداد الدراسات التقنية اللازمة لمشاريعهم.
وتشير التحقيقات إلى أن بعض المسؤولين التقنيين حولوا مكاتب الاستشارة هذه إلى بوابة إلزامية غير معلنة، إذ يتم تحويل الملفات الواردة على الجماعات إليها باستعمال مختلف أساليب الضغط، بما فيها الاستعانة بسماسرة ووسطاء ينصحون المرتفقين بالتوجه إلى تلك المكاتب مقابل تسريع المساطر والحصول على الرخص في آجال قصيرة.
وفي المقابل، واجه مرتفقون رفضوا الخضوع لهذا الابتزاز عراقيل متعددة، من تأخير معالجة ملفاتهم إلى تعجيزهم بطلب وثائق إضافية، ما دفع العديد منهم إلى القبول بالأمر الواقع واللجوء إلى هذه المكاتب، رغم كلفة خدماتها المرتفعة، تفاديا لضياع الوقت وتعطيل مشاريعهم.
وامتدت الأبحاث، وفق المصادر نفسها، إلى التدقيق في العلاقات التي تجمع بين أصحاب مكاتب الاستشارة ومسؤولين داخل أقسام التعمير، حيث تبيّن أن عددا من هذه المكاتب يضم مهندسين معماريين أو مدنيين ينجزون التصاميم، مع استعمال أختام مهندسين آخرين، في ممارسات تطرح أكثر من علامة استفهام حول قانونيتها.
كما شملت التحريات افتحاص الأرشيف الإداري لوثائق التعمير بعدد من الجماعات، إذ جرى فحص ما لا يقل عن 3700 وثيقة، أسفرت نتائجها الأولية عن رصد تكرار أسماء مكاتب بعينها في عدد كبير من ملفات رخص البناء، ما عزز فرضية وجود علاقات مشبوهة تربطها بمسؤولين جماعيين.
وأفادت تسريبات من داخل الأبحاث الإدارية أن بعض المسؤولين لجؤوا إلى إحداث مكاتب استشارة بشراكة مع أشخاص لا تجمعهم بهم علاقة قرابة، في محاولة لدرء الشبهات، رغم أن الملكية الفعلية تعود إليهم مقابل عمولات يتقاضاها الشركاء الصوريون، وهو ما عقد مهمة تتبع هذه الشبكات وضبط خيوطها.
وتخلص المعطيات الأولية إلى أن مكاتب “استشارات التعمير” تحولت في بعض الجماعات إلى قناة موازية لتغطية الرشوة والعمولات غير القانونية، ما يضرب في العمق مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، ويقوض ثقة المواطنين في الإدارة الترابية. وهو ما يجعل نتائج هذه الأبحاث محط ترقب واسع، في انتظار ما ستسفر عنه من قرارات تأديبية أو إحالات محتملة على القضاء، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬369

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *