في سابقة قضائية لافتة، أصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير حكماً وُصف بالتاريخي، كرس مفهوماً متقدماً لـ«الأخلاق السياسية»، وربط بشكل واضح بين المسؤولية الانتدابية والالتزام التنظيمي داخل الأحزاب السياسية. وقد قضت المحكمة بتأييد قرار تجريد كل من عادل المرابط وأمينة منيب من عضوية مجلس جماعة أيت ملول، على خلفية ما اعتُبر خروجاً صريحاً عن الخط الحزبي وقرارات حزب الاستقلال.
هذا الحكم أعاد إلى الواجهة نقاشاً ظل مؤجلاً لسنوات حول حدود حرية المنتخب داخل المجالس المنتخبة، ومتى تتحول هذه الحرية من حق سياسي مشروع إلى تمرد تنظيمي يضرب في العمق مصداقية العمل الحزبي ويُربك منطق التحالفات السياسية. فالمحكمة، وهي تبت في هذا الملف، لم تتعامل معه كخلاف شخصي أو صراع مواقع ظرفي، بل كقضية مبدئية تمس جوهر العمل الديمقراطي، القائم على احترام المؤسسات الحزبية وصيانة مبدأ الانضباط الذي يشكل أحد أعمدة الديمقراطية التمثيلية.
وتعود فصول هذا الخلاف إلى مرحلة انتخاب مكتب مجموعة الجماعات الترابية “التضامن السوسية”، حيث اختار العضوان المعنيان التصويت خلافاً لتوجيهات حزب الاستقلال، الذي كان قد نسّق موقفه بشكل واضح داخل تحالفاته السياسية. هذا السلوك اعتبرته قيادة الحزب خروجاً عن الالتزام التنظيمي وضرباً لمبدأ الانضباط الحزبي، ما عجّل باللجوء إلى القضاء لترتيب الآثار القانونية المترتبة عن ذلك.
غير أن الخلفية السياسية للملف تتعمق أكثر إذا ما استُحضرت التحولات الأخيرة في تموقع حزب الاستقلال داخل جماعة أيت ملول. وللتذكير، فإن حزب الاستقلال بالجماعة الترابية أيت ملول كان قد دعا، بشكل رسمي، جميع مستشاريه إلى تبني توجه الحزب القاضي بالخروج إلى صفوف المعارضة وفك الارتباط بالأغلبية المسيرة للمجلس، وذلك استناداً إلى مخرجات المؤتمر المحلي للحزب.
كما أصدر مكتب فرع الحزب توجيهات صريحة تلزم المستشارين الجماعيين بالانضباط الحزبي خلال أشغال الدورات العادية للمجلس، خاصة في ما يتعلق بعدد من النقط المدرجة بجدول الأعمال، حيث شدد على ضرورة التصويت بالرفض على بعضها، انسجاماً مع الرؤية السياسية والتنظيمية للحزب على مستوى جماعة أيت ملول.
إلا أن هذا التوجه الحزبي، الذي يُفترض أن يكون ملزماً لكافة منتخبي الحزب، لم يُحترم من طرف العضوين المعنيين، اللذين صوّتا إلى جانب الأغلبية المسيرة خلال دورة أكتوبر، لاسيما عند التصويت على مشروع ميزانية الجماعة، في خطوة اعتُبرت تحدياً واضحاً لقرارات الحزب وخروجاً عن خطه السياسي المعلن.
وقد لقي الحكم القضائي ترحيباً واسعاً في أوساط المتتبعين للشأن المحلي، الذين رأوا فيه انتصاراً لمبدأ أساسي طالما نادت به الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني، وهو أن الانتماء الحزبي ليس مجرد يافطة انتخابية ظرفية، بل التزام أخلاقي وسياسي يمتد طيلة الولاية الانتدابية. فبدون هذا الالتزام، تتحول المجالس المنتخبة إلى فضاءات للمزايدات الفردية والحسابات الشخصية، ويُفرغ العمل السياسي من مضمونه البرنامجي والتعاقدي.
كما اعتبر متابعون أن سرعة الحسم في هذا الملف تعكس وعياً قضائياً بخطورة ترك مثل هذه النزاعات مفتوحة، لما لذلك من تأثير مباشر على السير العادي للمجالس الجماعية وتعطيل مصالح المواطنين. فالأحكام المتأخرة غالباً ما تُبقي المؤسسات رهينة “البلوكاج” وتغذي مناخ الشك والارتباك داخل التحالفات المحلية.
الأهم من ذلك، أن هذا القرار بعث برسالة واضحة وصارمة إلى عموم المنتخبين، مفادها أن ما يُوصف أحياناً بـ«الترحال السياسي المقنّع» أو التمرد على قرارات الحزب من داخل المؤسسات، لن يمر دون مساءلة، وأن ثمنه قد يصل إلى فقدان الصفة الانتدابية نفسها. وهي رسالة تندرج في صميم تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس فقط على مستوى التدبير، بل أيضاً على مستوى السلوك السياسي والتنظيمي.
وفي المحصلة، يرى عدد من الفاعلين أن عزل المنتخبين في ملف مجموعة جماعات “التضامن السوسية” يخدم في نهاية المطاف مصلحة ساكنة أيت ملول وسوس عموماً، إذ إن تماسك الأحزاب واحترام قراراتها يسهّل تنزيل البرامج التنموية، ويحد من التعطيل الناتج عن الصراعات الشخصية، ويعيد الاعتبار للعمل الجماعي داخل المؤسسات المنتخبة.
وبانتصاره في هذه الدعوى، لا يكون القضاء قد انتصر لطرف سياسي بعينه، بقدر ما انتصر لروح الدستور المغربي، الذي جعل من الأحزاب السياسية ركيزة أساسية لتأطير المواطنين وضمان ممارسة ديمقراطية سليمة. إنه حكم يؤسس لمرحلة جديدة في الديمقراطية المحلية، تُحترم فيها كلمة الحزب، وتصان فيها إرادة الناخب التي منحت ثقتها للبرنامج والرمز قبل الأشخاص.












