لم تعد صرخات الاستغاثة التي يطلقها سكان القرى والمداشر بجهة سوس مجرد هواجس عابرة، بل تحولت إلى واقع مرير يطبعه التوتر اليومي. فخلف المناظر الطبيعية الخلابة للمنطقة، تختبئ أزمة صامتة وقودها الصدام بين “حق الترحال” و”قدسية الملكية الخاصة”، في مشهد يضع السلم الاجتماعي على المحك، ويسائل فعالية الترسانة القانونية الحالية.

تعيش الحقول والمزارع الصغرى بسوس على وقع “غزو” منظم لقطعان ضخمة من الأغنام والماعز والإبل، التي لا تكتفي بالمرور، بل تكتسح المحاصيل الزراعية وتتلف مجهودات الفلاحين البسطاء. هذا التوغل لم يبقَ حبيس الأراضي الخلاء، بل امتد ليصل إلى مشارف الدواوير، مما خلق حالة من الاحتقان اليومي؛ حيث أصبحت المشادات الكلامية مشهداً مألوفاً، وسرعان ما تطورت في عدة مناسبات إلى صدامات ميدانية خلفت جروحاً نفسية وجسدية. وباتت الأسر القروية تعيش تحت وطأة الخوف والقلق الدائم على ممتلكاتها وأمنها الشخصي، في ظل شعور متزايد بانعدام الحماية في محيطهم الطبيعي.

أمام هذا الوضع المتأزم، لم يقف الجمعيات المحلية والفاعلون المدنيون مكتوفي الأيدي، بل تعالت الأصوات بضرورة التدخل الحازم، ومطالبة السلطات بالخروج من مربع “الحياد السلبي”، وتنظيم الترحال الرعوي بشكل فعلي، عبر تطبيق مقتضيات القانون المتعلق بتدبير المجالات الرعوية، خاصة الشق المتعلق باحترام الملكية الخاصة ومنع استغلال الأراضي دون موافقة صريحة من أصحابها، فضلاً عن إحداث لجان تتبع ومراقبة صارمة للحد من العشوائية وضمان حقوق الساكنة الأصلية.

وفي سياق متصل، يرى مراقبون وفاعلون حقوقيون أن القانون الحالي، رغم وجوده، يشكو من “ثقوب” تنظيمية وتطبيقية؛ فالانتقادات الموجهة إليه تتركز حول عدم حماية الحقوق التاريخية، حيث يُنظر إلى القانون على أنه لم ينصف بشكل كافٍ السكان الأصليين الذين تربطهم بأرضهم علاقة هوية ووجود. كما سُجل أن غياب آليات الردع الفوري يجعل التجاوزات مستمرة دون محاسبة حقيقية، وهو ما يهدد التوازن الاجتماعي والبيئي للمنطقة، ويدفع بالشباب إلى الهجرة القسرية بعد ضياع مصدر رزقهم الفلاحي.

إن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الترقيعية، وتنبني على ركائز أساسية؛ أهمها فرض سلطة القانون من خلال تطبيق العقوبات الزجرية على المخالفين دون استثناء لضمان الانضباط، وترسيم مسارات واضحة ومعزولة للرعاة الرحل بعيداً عن الملكيات الخاصة والمناطق السكنية، مع ضرورة إدراج ملف الرعي ضمن رؤية تنموية شاملة تحمي الفلاح الصغير وتعيد الثقة بين الإدارة والمواطن.

إن أزمة الترحال الرعوي في سوس ليست مجرد نزاع حول “كلأ”، بل هي اختبار لمدى قدرة الدولة على حماية حقوق مواطنيها وضمان أمنهم التعاقدي. إن السلم الاجتماعي في سوس يمر بالضرورة عبر احترام الأرض وأصحابها، وتطبيق القانون بصرامة تعيد الاعتبار لهوية المنطقة واستقرارها. الكرة الآن في مرمى السلطات لإيجاد حلول تعيد السكينة إلى تلك القرى التي أنهكها الترقب.












