لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدها إقليم اشتوكة أيت باها مجرد غيث انتظرته الأرض، بل تحولت إلى “لجنة تفتيش” سماوية كشفت المستور وعرت هشاشة البنية التحتية في عدة جماعات ترابية. وبينما كانت لجان اليقظة والسلطات الإقليمية تصارع الزمن لفك العزلة، تعالت أصوات الساكنة متسائلة عن مصير ملايين الدراهم التي صُرفت على طرقات ومنشآت “تبخرت” مع أول فيضان لوادي “تكاض” و”أسرسيف”.

من بلفاع إلى أيت ميلك، وصولاً إلى المرتفعات في سيدي عبد الله البوشواري وتركانتوشكا، تشابهت المشاهد: طرق مقطوعة، أوحال تغمر المسالك الحديثة، وعزلة تامة لدواوير كان رؤساؤها، إلى وقت قريب، يملأون صفحات “الفيسبوك” بصور “السيلفي” أمام مشاريع وُصفت بـ “المنجزة بمعايير عالية”.

اليوم، لم يتبقَ من تلك الصور سوى الذكرى، بعد أن جرف “الواد” الطبقات الرقيقة من الزفت، كاشفاً عن عيوب تقنية واختلالات في الجودة تضع المصداقية السياسية والتقنية لهؤلاء المسؤولين على المحك.
في جولة ميدانية بالمناطق المتضررة، يظهر جلياً أن الخلل لا يكمن في “قوة المطر” فحسب، بل في “ضعف الضمير” المهني. فكيف تنهار طريق في أيت وادريم أو تاركا انتوشكا لم تمضِ شهور على تدشينها؟ وكيف تنقطع الطريق الوطنية رقم 1 عند سيدي عبو والجهوية 115 في عدة نقاط لمرات متتالية؟
الخبراء يشيرون إلى أن “الخلل” يكمن في زاويتين:
رؤوس الساهرين: الذين يفضلون “تزويق الواجهة” الانتخابية على حساب الدراسات الهيدرولوجية والتقنية الرصينة.
جودة الإنجاز: حيث تُفوت الصفقات أحياناً لشركات تفتقر للخبرة أو تعتمد مواد بناء رخيصة لا تصمد أمام التغيرات المناخية، في ظل غياب رقابة صارمة من المكاتب المختصة.
مطالب بتفعيل المحاسبة والضمان العشري
الرأي العام المحلي باشتوكة أيت باها لم يعد يكتفي بفتح الطرق، بل يطالب اليوم بفتح “تحقيق أسود”. الأسئلة الموجهة للمجالس الجماعية المتضررة واضحة:
لماذا لم يتم تفعيل “الضمان العشري” لمطالبة المقاولات بإصلاح الطرق المنهارة على نفقتها؟
أين هي لجان التتبع والمراقبة التي صادقت على تسلم هذه المشاريع “المغشوشة”؟
هل سيتحرك المجلس الجهوي للحسابات للتدقيق في صفقات الطرق التي جرفتها السيول في بلفاع وأيت ميلك؟

بينما تستمر لجان اليقظة في بذل مجهودات جبارة لتأمين سلامة المواطنين، يبقى الدرس القاسي لهذه الأمطار هو ضرورة القطع مع “سياسة البروباغندا” والتوجه نحو بنية تحتية حقيقية تحترم كرامة المواطن وتحمي المال العام. فالمطر قد يتوقف، لكن تداعيات “فساد الإنجاز” ستظل تطارد المسؤولين أمام القضاء وأمام صناديق الاقتراع.
اشتوكة أيت باها لا تحتاج لرؤساء يجيدون “التصوير”، بل لمسؤولين يتقنون “التدبير” ويخافون على تبذير “المال العام” في مشاريع لا تصمد أمام أول اختبار.














