بيوكرى قلب اشتوكة آيت باها.. مدينة بثروة فلاحية تعاني “فقر البنية التحتية”

تتموقع مدينة بيوكرى في قلب موقع جغرافي غني بثورته الفلاحية المتنوعة بإقليم اشتوكة آيت باها، الذي يوفر أكثر من 90 في المائة من الإنتاج الوطني من الطماطم، ويزوّد السوق الوطنية بكميات كبيرة من مختلف أنواع الخضر والفواكه، غير أن حاضرة الإقليم تعاني من هشاشة بارزة في البنية التحتية.

بنية تحتية هشة وإصلاحات بطيئة جدا

الهشاشة التي تعاني منها مدينة بيوكرى على مستوى البنية التحتية تعكسها واقعة حدثت قبل بضعة أشهر، حين هوَت الأرض بشرطيّ مرور في ملتقى الطرق الرئيسي وسط المدينة، بسبب عدم متانة الأرضية التي تمر تحتها قنوات الصرف الصحي.

في أزقة مدينة بيوكرى وشوارعها يلْفي الزائر مشاهد حُفر كبيرة في الأرض عند نقاط التقاء قنوات الصرف الصحي “Les Regards”، لكن اللافت للانتباه أنه لا يتم التدخل لردمها وتسويتها بسرعة، بل تكتفي الجهات المسؤولة بوضع حواجز حديدية عليها، وتركها لمدة تمتد أحيانا لشهور، رغم الخطر الكبير الذي تشكّله على المارة وعلى العربات أيضا.

وفي الشارع المتفرع عن الشارع الرئيسي، قبالة مسجد الجزولي، تشكّلت حفرة كبيرة على الرصيف بسبب انخساف الأرض، فيما لم يتعدّ التدخل الذي قامت به الجهات المعنية إحاطة الحفرة بحواجز حديدية، وظلت على حالها لمدة زادت على ثلاثة أشهر؛ ولاحقا تمت إزاحة الحواجز ومُلئت الحفرة بالتراب لتتّخذ شكل قبر، دون إعادة تبليط المكان، ومازالت على هذه الحال إلى حدود كتابة هذه السطور.

غير أن الواقعة التي أثارت غضب ساكنة بيوكرى، وعرّت واقع تسييرها، هي سقوط الشرطي في قناة الصرف؛ فالواقعة لم تكشف النقاب فقط عن هشاشة البنية التحتية بالمدينة، بل كشفت أيضا عن مشكل بنيوي تعاني منه، يتجلى في اختلال تسييرها، وبُطء تنفيذ الإصلاحات، حتى حين يتعلق الأمر بإصلاحات بسيطة، إذ استغرقت الأشغال وقتا طويلا جدا.

حينها تم إغلاق الطريق لعدة أيام، واستمرت الأشغال بوتيرة بطيئة رغم أن الموقع يقع في قلب المدينة التي يقول الكثير من سكانها إنها أشبه ما تكون بـ”فيلاج”، وإن كانت تضمّ مقر عمالة الإقليم التي أحدثت بها منذ عام 1995، ويقارنون بينها وبين مدينة القليعة، التي تحسّنت بنيتها التحتية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بعدما كان وضعها، إلى حدود سنوات قليلة، سيئا جدا.

وشبّه أحد المواطنين عملية إصلاح النقطة التي سقط فيها الشرطي، حينها، بعملية إنقاذ الطفل ريان، بسبب استغراقها وقتا طويلا، قائلا بسخرية، في “تدوينة” على منصة “فيسبوك”: “في مدينة بيوكرى البحث عن الطفل ريان منذ عدة أسابيع دون الوصول إليه إلى حد الآن. أخبار تفيد بأن بضعة أمتار فقط تفصل عن بلوغ الهدف”.

مدينة بدون قنواتِ صرف المياه

يكفي أن تسقط قطرات من المطر في بيوكرى لتتحوّل شوارع المدينة، بما فيها الشارع الرئيسي، إلى برَكٍ مائية هائلة، بسبب غياب قنوات صرف مياه الأمطار. ويستحيل عبور الطريق في بعض النقط، بما فيها التي تعرف حركية كبيرة، مثل الشارع المحاذي للسوق المركزي.

في هذا المكان يضطر الناس إلى عبور الطريق مستعينين بوضع الحجارة على قارعتها، وهو مشهد تكرر بعد التساقطات المطرية الأخيرة، التي غمرت مياهها أيضا قيسارية الملابس والمجوهرات الموجودة بالقرب من مقر البلدية.

ورغم أن مدينة بيوكرى هي حاضرة إقليم اشتوكة آيت بها، وتضمن عمالة الإقليم، فإنها لا تتوفر إلى حد الآن سوى على قنوات للصرف الصحي، ولم يتم تجهيزها بقنوات صرف مياه الأمطار. ويقول فاعلون في المدينة إن قنوات الصرف الصحي أيضا فيها اختلالات.

عبد الله مهماوي، فاعل جمعوي وحقوقي، قال إن مشروع الصرف الصحي كلف أموالا طائلة، “لكن الخدمات المنجزة ليست في المستوى، بسبب عدم إنجاز دراسة دقيقة قبل تنفيذ المشروع”.

وأوضح المتحدث ذاته أن هناك أزقّة لم يتم ربطها بقنوات الصرف الصحي، لكونها وُضعَتْ في مستوى غير مناسب تحت الأرض.

ورغم أن المدينة تم ربطها بقنوات التطهير السائل فإن محطة معالجة المياه العادمة التي تم إحداثها عند مدخلها تشكل مشكلا كبيرا للسكان، نظرا لما ينبعث منها من روائح كريهة، إضافة إلى أسراب من الحشرات التي تغزو البيوت، لاسيما في فصل الصيف.

محطة متردية وسوق عشوائي

تبدو مدينة بيوكرى أشبه بمدينة بلا هوية، إذ إن زائرها لا يجد في مدخلها ما يشير إلى أنه بصدد ولوج مدينة تحتضن مقر عمالة الإقليم، بخلاف مدن صغيرة في الجوار مثل القليعة، التي يزيّن مدخلها شعارها.

وعندما يصل الزائر إلى محطة سيارات الأجرة وسط مدينة بيوكرى يجد نفسه وسط فضاء عشوائي في أدنى درجات التردّي، لا يحمل من محطة سيارات الأجرة إلا الاسم.

أرضية المحطة التي أحدثت منذ سنوات لم تحظ إلى حد الآن بالتبليط، ومازالت عبارة عن ساحة يكسوها الحصى والرمل، ويتطاير منها الغبار الذي تُحدثه حركة عجلات السيارات أو الريح، ولا يوجد فيها أي كرسي رهن إشارة المرتفقين، أو مكان يستظلون به من أشعة الشمس أو يحتمون من المطر.
حالة التردي نفسها يوجد عليها السوق الأسبوعي الذي ينعقد يوم الإثنين من كل أسبوع، إذ يُقام وسط أجواء من العشوائية، حيث تختلط السلع من أوان منزلية وملابس ومواد غذائية مع المواشي، بسبب افتقار المرفق إلى مكان خاص لبيع البهائم.

“مدينة مُحتكرة”

إذا كانت الشوارع في أغلب المدن المغربية تتم تهيئتها عن طريق تعبيدها بمادة الزفت لضمان متانتها فإن أغلب شوارع مدينة بيوكرى وأزقتها تم تبليطها باستعمال الإسمنت، وأصبح منظرها مشوها بسبب تآكل البلاط، نظرا لضعف متانته.

ويرى عبد الله مهماوي أن “المشكل الرئيسي الذي تعاني منه مدينة بيوكرى هو أن المسيّرين الحقيقيين الذين يتحكمون في المجلس الجماعي لا يتغيرون”، في إشارة إلى أحد الأعيان المعروفين بالمدينة، مضيفا: “طالما بقي هذا الوضع فلا يمكن أن تتحسّن حال بيوكرى”.

وفي حي “لشالي” يوجد ملعب للقرب يعكس حاله الوضع العام لمدينة بيوكرى، فإذا كانت ملاعب القرب تُجهّز بالعشب الاصطناعي حفاظا على السلامة الجسدية لمستعمليها، فإن أرضية الملعب المذكور جُهزّت بالإسمنت، بينما تطاير الشباك المحيط به عن آخره، ولم يخضع لأي إصلاح منذ إنشائه.

وإذا كانت المدينة تعاني من ضعف كبير على مستوى البنية التحتية، وفي المرافق الترفيهية، فإن المجال الوحيد المزدهر فيها هو إنشاء التجزئات السكنية.

ويعلق مهماوي قائلا: “إنهم يخدمون مصالحهم فقط، ولا يفكرون في المصلحة العامة لسكان بيوكرى التي تعاني من تهميش فظيع”، مضيفا: “تردي وضع المدينة لا يعود إلى افتقار المجلس البلدي للموارد المائية، وإنما يرجع إلى سوء التسيير”.

 محمد الراجي

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬267