الدكتور رشيد كديرة يربط الدخول السياسي بالبعد السيادي: قراءة في ملف الصحراء المغربية وقرار المينورسو

في مشهد مؤسساتي وسياسي يتسم بالدينامية والتحولات المتسارعة، احتضن النادي الجهوي للصحافة بأكادير وسوس ماسة لقاءً فكرياً ومهنياً بارزاً، قدم خلاله الدكتور رشيد كديرة مداخلة مركزية حملت عنوان: «دولة القرار ودولة القانون… قراءة في الدخول السياسي لخريف 2026».

وقد تميزت هذه المداخلة بمقاربة تحليلية رصينة انطلقت من حقول القانون العام وعلم السياسة، متجاوزةً التجاذبات الحزبية الضيقة لصالح تفكيك البنيات المؤسساتية والدستورية التي تحكم هندسة القرار العمومي في المغرب.

تأسست أطروحة الدكتور رشيد كديرة على مسلمة أساسية مفادها أن «لا دولة بلا مركز قرار، ولا دولة بلا مركز قانون». وتتأتى صعوبة هذه الثنائية من طبيعة العلاقة المعقدة بين قطبين متكاملين ومتوترين في آن واحد؛ فالقرار السياسي بوصفه الآلية الحازمة لضمان وحدة الدولة، واستمرارية مرافقها، وحسم الاختيارات الكبرى في اللحظات التاريخية الفارقة، يقابله القانون باعتباره الإطار الناظم الذي يرسُم الحدود والضوابط، ويحمي الحقوق والحريات، ويمنع الشطط في استعمال السلطة.

واستناداً إلى الإرث الفكري لكل من كارل شميت وهانس كلسن، دعت المداخلة إلى تبني مفهوم «القرارية الديمقراطية»؛ وهي القرار القادر على الحسم، لكنه في الوقت ذاته مُعَلَّل، وخاضع لمنطق الطعن والمحاسبة والمساءلة.

توزع التحليل السياسي للدكتور كديرة على خمس محطات مفصلية شخصت ملامح المشهد المغربي؛ حيث وقفت المحطة الأولى عند انتخابات 23 شتنبر 2026، التي أسفرت عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ 66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ 65 مقعداً، وسط نسبة مشاركة بلغت 38.02%.

وقد اعتبر التحليل أن المسار الانتخابي استوفى مشروعيته الدستورية بتفعيل الفصل 47 وتعيين رئيسة الحكومة من الحزب المتصدر، مؤكداً في سياق سوسيولوجيا الدولة أن الشرعية ليست لحظة عابرة في صناديق الاقتراع، بل هي مسار مستمر يتجدد عبر القبول المجتمعي والوساطة السياسية.

ومع إعلان الأغلبية الحكومية في 12 أكتوبر 2026، سجلت المداخلة تكاملاً فريداً لثلاثة مصادر للشرعية تمثلت في النص الدستوري الحديث، الصندوق الانتخابي، والعمق التاريخي المستمد من زمن الحركة الوطنية، متوقفة عند الدلالة الرمزية والسياسية العميقة لتعيين أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ المغرب في إطار تطبيع ديمقراطي سلس.

في المقابل، برزت إشكالية بنيوية تتمثل في التوتر بين الزمن المالي والزمن التمثيلي، وهي منطقة رمادية واكبها المجلس الدستوري تاريخياً بضوابط الضرورة لضمان استمرارية المرافق العمومية. كما تطرقت المداخلة إلى موقع المعارضة البرلمانية الموزعة بين منطق التدبير المؤسساتي العددي والمنهج النقدي المطالب بتوسيع الصلاحيات، مشددة على محورية العتبات الدستورية في حماية الأقلية البرلمانية وضمان توازن السلط.

على واجهة السياسة الخارجية والدفاع عن الوحدة الترابية، توقفت المحاضرة عند تطورات ملف الصحراء المغربية وقرار عدم التمديد لبعثة «المينورسو» أواخر أكتوبر 2026 باعتباره قراراً سيادياً استراتيجياً، تلاه الزخم المؤسساتي لجلسة «الطاولة الواحدة الملكية» في 4 نونبر، مع التأكيد على التزام المملكة بوقف إطلاق النار، وأدوار الدبلوماسية البرلمانية والترابية.

وفي التفاتة نوعية نحو البيئة الإعلامية والمؤسساتية، ربطت المداخلة بين القضاء الدستوري وبين الدور الرقابي للصحافة، حيث اعتبر الدكتور رشيد كديرة أن الصحافة المهنية تشكل الحارس اليومي للقرار العمومي، إذ لا يمكن تصور ربط المسؤولية بالمحاسبة دون إخضاع أي قرار لثلاثة أسئلة جوهرية: ما سنده القانوني والدستوري؟ ومن صاحبه والجهة المسؤولة عنه؟ وأين تعليله ومبرراته الموضوعية؟

اختتمت المداخلة بالتأكيد على أن بناء الديمقراطية السليمة لا يرتكز على تغليب القرار المطلق ولا على الجمود القانوني المحض، بل يتأتى من التناغم الخلاق بين صلابة القرار السياسي وسمو القاعدة القانونية، لتظل الممارسة الديمقراطية لحناً متزناً تتكامل فيه أدوار المؤسسات المنتخبة، والقضاء، والسلطة الرابعة.

A.Boutbaoucht

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬265

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *