قبل نهاية الشهر.. مجلس الأمن على موعد مع تحول مفصلي في ملف الصحراء المغربية

تعكس مسودة القرار الأمريكي الجديدة بشأن الصحراء المغربية توجها نحو إعادة صياغة الإطار السياسي والأممي الذي ظل يؤطر تدبير هذا النزاع، من خلال الانتقال من مقاربة تركز على استمرار مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) بصيغتها الحالية، إلى تصور يربط عملها بصورة أوضح بمتطلبات التسوية السياسية.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من تزامنها مع تكثيف المشاورات الدولية بشأن مستقبل العملية التفاوضية، ومحاولة توفير شروط أكثر وضوحا لدفع الأطراف نحو حل عملي. ومع ذلك، تظل المسودة مشروعاً قيد التشاور، ولا يمكن التعامل مع مضامينها باعتبارها قرارا نهائيا قبل استكمال المداولات واعتماد مجلس الأمن الصيغة النهائية.

ويبرز تكريس مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة المغربية أساسا للمفاوضات باعتباره أبرز التحولات الواردة في المسودة، بالنظر إلى ما يحمله من دلالات سياسية وتفاوضية.

فبدلا من إبقاء مرجعيات التسوية مفتوحة على تصورات متباينة، تتجه الصياغة المقترحة إلى تحديد إطار مرجعي واضح للعملية السياسية، بما يمنح المبادرة المغربية موقعاً مركزياً في أي مفاوضات مقبلة.

ويعزز هذا التوجه، في حال اعتماده، موقع المغرب التفاوضي، إذ يجعل النقاش منصبا بصورة أكبر على تفاصيل الحكم الذاتي وضماناته وآليات تنزيله، بدل العودة إلى نقطة الصفر بشأن طبيعة الحل. غير أن الأثر العملي لهذا التحول سيظل مرتبطا بالصيغة النهائية للقرار، ومدى انعكاس المرجعية المقترحة على جدول أعمال المفاوضات ومضامينها.

ومن بين المقتضيات التي تحمل دلالات مهمة للمغرب، الدعوة إلى انخراط الأطراف المعنية بصورة جدية وبناءة في العملية السياسية، تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، وبدعم من الولايات المتحدة.

فربط التسوية بضرورة إظهار الجدية السياسية يرفع من أهمية المواقف العملية التي تتخذها الأطراف، ويجعل الاستعداد للتفاوض والتفاعل مع المقترحات المطروحة عاملا أساسيا في تقييم مسار العملية الأممية.

كما أن توسيع دائرة المشاورات لتشمل مكونات صحراوية وجهات معنية داخل الإقليم ومخيمات اللاجئين وفي المهجر قد يفتح المجال أمام مقاربة أوسع للتمثيلية والمشاركة في مناقشة مستقبل التسوية، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار سياسي واضح وبما يخدم البحث عن حل قابل للتطبيق.

أما إعادة هيكلة المينورسو، فتشكل محورا أساسيا في المسودة، بالنظر إلى اقتراح إنهاء ولايتها بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداء من فاتح ماي إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، مع تغيير تسميتها وتقليص مكونها النظامي بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027.

ويعكس هذا التصور توجها نحو تقليص الطابع العسكري للبعثة وإعادة توجيه أولوياتها بما يتلاءم مع المسار السياسي. ومن المنظور المغربي، يمكن أن ينسجم هذا التحول مع أولوية الدفع نحو تسوية سياسية واقعية، بدلا من استمرار إدارة النزاع ضمن ترتيبات أممية لم تنجح، على مدى سنوات، في إنهائه.

لكن دلالة هذا التغيير ستتوقف على الاختصاصات التي ستسند إلى البعثة الجديدة، ومدى قدرتها على مواكبة المفاوضات وتوفير المعلومات اللازمة لمجلس الأمن، فضلا عن طبيعة الترتيبات المتعلقة بمراقبة وقف إطلاق النار والجوانب الإنسانية.

وفي السياق ذاته، يتيح الجمع بين تحديد مرجعية التفاوض وإعادة تنظيم المينورسو قراءة المسودة باعتبارها محاولة للربط بين الإطار السياسي للحل والآليات الأممية المكلفة بمواكبته.

فالمغرب قد يستفيد من وضوح أكبر في مرجعية التسوية، ومن انتقال النقاش الدولي تدريجياً نحو متطلبات تنزيل الحكم الذاتي، عوض الاكتفاء بتجديد ولاية البعثة ومواصلة تدبير الوضع القائم.

كما أن تقليص المكون النظامي وإعادة توزيع مواقع الانتشار قد يعكسان تغيراً في تقدير الأولويات الأممية، إذا اقترنا بتصور سياسي واضح ومتوافق عليه. ومع ذلك، فإن هذه المقتضيات لا تعني تلقائيا حسم النزاع أو إلغاء جميع الوظائف الأمنية والإنسانية للبعثة، كما أن تقليص وجودها الميداني قد يطرح تحديات تتعلق بمتابعة الوضع على الأرض وضمان استمرارية المهام الضرورية.

تكمن أهمية المسودة الأمريكية في أنها تجمع بين ثلاث اتجاهات مترابطة: تثبيت الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية مرجعية للمفاوضات، والضغط من أجل انخراط أكثر جدية من الأطراف، وإعادة النظر في طبيعة الدور الأممي بما يجعله أكثر ارتباطا بالمسار السياسي.

وتمثل هذه العناصر، إذا احتفظ بها القرار النهائي، مكاسب سياسية محتملة للمغرب، خصوصاً على مستوى تحديد إطار التسوية وتوجيه النقاش الدولي نحو حل عملي. لكن المسار لا يزال رهينا بالمشاورات داخل مجلس الأمن، والتعديلات التي قد تدخل على النص، ثم كيفية ترجمة المقتضيات المعتمدة إلى خطوات تفاوضية ملموسة.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في صياغة القرار وحدها، بل في مدى قدرته على تحويل المرجعية السياسية المقترحة إلى مفاوضات جادة تفضي إلى تسوية مستدامة، مع الحفاظ على متطلبات الاستقرار والالتزامات الأممية ذات الصلة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 32

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *