د. عبد العالي ماكوري
تعتبر الجامعة مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية وبالاستقلالية الإدارية والمالية والبيداغوجية والعلمية حسب المادة 2 من القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، كما نصت المادة 39 من نفس القانون على أن موارد الجامعة تشمل عدة مخصصات ومداخيل ومحاصيل وموارد من بينها مداخيل الخدمات المؤدى عنها المقدمة، وكذا المداخيل المتأتية من تقديم خدمات أخرى مأذون بها بموجب التشريع الجاري به العمل، وبالتالي فإن طبيعة الخدمات التي سوف تقدمها الجامعة ستكون بالضرورة عبارة عن تكوينات أو خبرة أو تكوين أو بحث أو ابتكار مؤدى عنه.
ولطالما قدمت مختلف المؤسسات الجامعية خدمات التكوين المستمر وبأثمنة مرتفعة، ولقيت إقبالا واستحسانا من طرف الموظفين والأجراء، رغم أن الشهادات المقدمة عبارة عن شهادات جامعية في إطار التكوين المستمر وليست شهادات وطنية، وإذا كانت تعتمد للتشغيل والترقي في القطاع الخاص، فإنها لا تؤخذ بعين الاعتبار في اجتياز مباريات التوظيف في القطاع العام، كما لا يعتد بها للولوج إلى سلك الماستر أو الدكتوراه. أمام هذه الوضعية، طالب العديد من المستفيدين والمهتمين والأجراء والموظفين بضرورة حل إشكال الاعتراف بشواهد التكوين المستمر أو التفكير في إيجاد حل بديل من أجل منح شواهد معترف بها وطنيا. وفي هذا الإطار، أخذت الوزارة الوصية مطالب هذه الفئة من المواطنين بعين الاعتبار، حيث تم إقرار الدراسة وفق نمط التوقيت الميسر استجابة للانتظارات والتطلعات والمطالب المعبر عنها.
ومن إيجابيات التكوين وفق نمط التوقيت الميسر أنه يأخذ بعين الاعتبار توقيت عمل الموظف أو الأجير، وبالتالي تبرمج الدروس والمحاضرات خارج أوقات العمل، أي ابتداء من الساعة الخامسة بعد الزوال إلى غاية الساعة السابعة مساء أو التاسعة ليلا في بعض الحالات وأيام السبت والأحد أي أيام العطلة الأسبوعية. وبهدف ضمان جودة ومصداقية التكوين فإن الشروط التي تطبق على الطلبة الذين يدرسون في إطار التوقيت العادي تطبق كذلك على الطلبة الذين يدرسون في إطار التوقيت الميسر، نفس الأساتذة يدرسون في إطار التوقيت العادي والتوقيت الميسر، ونفس الوحدات والمحاور تلقن للفئتين، أما التقويمات فإنها تبرمج في توقيت زمني واحد لجميع الطلبة.
إن التوقيت الميسر كنمط للتدريس يعتبر طريقة مبتكرة تيسر الولوج للتعليم لفئات الموظفين والأجراء، وذلك تفعيلا لمقتضيات الفصل 31 من الدستور الذي ينص على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في: …. الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة..”
إن تفسير المادة الدستورية يتخذ عدة أوجه وأبعاد منها ما هو مجالي، وما هو مرتبط بشروط الولوج، وما هو مرتبط بالزمن الدراسي، وأعتقد أن الوزارة الوصية، في إطار حرصها على تفعيل مقتضيات الدستور وفرت الإطار القانوني الملائم من خلال إصدار القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الذي خول لمؤسسات التعليم العالي طبقا للمادة 81 تنظيم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي في توقيت ميسر والتكوين المستمر، وذلك من أجل تيسير الولوج للتعليم الجامعي لفئات عريضة من المواطنات والمواطنين العاملين في القطاع الخاص أو القطاع العام، كما فتحت المجال لكل الأشخاص الراغبين في ذلك.
وإذا كان الأمر واضحا ولا يحتاج إلى المزيد من النقاش من الناحية الدستورية والقانونية، فلابد من مناقشة بعض الجوانب التدبيرية للمؤسسات الجامعية التي فتحت تكوينات في إطار التوقيت الميسر. وعليه، فإن التساؤل المطروح، إذا كانت الدراسة في إطار التوقيت الميسر تقتضي تعبئة نفس الأساتذة الذين يدرسون الطلبة في التوقيت العادي، لكي يدرسون مرة ثانية الموظفين والأجراء في التوقيت الميسر، من الذي سوف يتحمل تكاليف التعويض عن الساعات التي ينجزونها؟ هل الأساتذة ملزمون بالعمل ليلا ونهارا؟ هل الأساتذة لا يعتبرون موظفون عموميون؟ من هذا الأجير أو الموظف الذي سيقبل العمل بالنهار مقابل أجر، والعمل خارج أوقات العمل الرسمي أي بالليل ويومي السبت والأحد بدون تعويض؟
إضافة إلى ذلك، فأن الحكامة تقتضي إنشاء إدارة خاصة لتدبير وتتبع ملفات ووضعيات الطلبة المسجلين في إطار التوقيت الميسر، مما سوف يتطلب حتما مجهودا مضاعفا من الموارد البشرية العاملة بالمؤسسات الجامعية المعنية، فهل هذا المجهود المضاعف لا يستحق تعويضا؟ بل ستلجأ الجامعة إلى تخصيص مناصب مالية لتوفير الموظفين الإداريين والتقنيين بالأعداد الكافية لضمان نجاح التكوين وفق نمط التوقيت الميسر، في الوقت الذي تعتبر الإدارة الجامعية في أمس الحاجة لهؤلاء من أجل الرفع من نسبة التأطير الإداري.
ومن جهة أخرى، إن الدراسة في إطار التوقيت الميسر، تتم ليلا، مما يقتضي استهلاك إضافي للطاقة الكهربائية والماء، واستعمال إضافي لمختلف مرافق الكلية، والتجهيزات والمعدات التعليمية والتقنية، وتوفير الأمن والحراسة وغيرها من الخدمات، هذا الأمر يتطلب اعتمادات إضافية لمواجهة التكاليف الإضافية وصيانة التجهيزات المشار إليها واقتنائها إن اقتضى الأمر ذلك. فمن أين سيتم توفير الموارد المالية الضرورية للنفقات الإضافية المشار إليها؟ هل سيتم صرف الاعتمادات المالية المخصصة للطلبة الذين يدرسون في إطار التوقيت العادي والذين يلجون الجامعة لأول مرة، من أجل توفير الظروف الملائمة للطلبة الموظفين والأجراء من أجل الدراسة ليلا؟ والذين سبق لهم أو لغالبيتهم الاستفادة من حقهم في التمدرس بالجامعة في إطار التوقيت العادي؟ أعتقد ان الأمر يقتضي عدم التسرع في إصدار الأحكام الجاهزة والمسبقة لاعتبارات سياسوية ضيقة أو غيرها، والتحلي بنوع من الجدية والرزانة والمصداقية في التحليل والنقاش.
إن الوزارة الوصية، من خلال نمط التوقيت الميسر، أرادت فتح المجال لكافة الفئات الراغبة في ذلك للعودة إلى الجامعة، وفي هذا الإطار أشارت المادة 81 من القانون 59.24 إلى أمر جوهري، وهو أن التوقيت الميسر مفتوح ليس فقط للأجراء والموظفين، بل أيضا لكل الأشخاص الراغبين في ذلك. وتكريسا لمواطنة الجامعة، ومراعاة لذوي الدخل المحدود أي الذين يتقاضون أجورا تقل عن الحد الأدنى للأجر، فإن ندوة رؤساء الجامعات أصدرت بلاغا منذ بداية الموسم الجامعي 2025-2026 مفاده إعفاء هذه الفئة من أداء رسوم التسجيل.
إن الدراسة وفق نمط التوقيت الميسر، تعتبر تكريسا لانفتاح الجامعة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي، وتفعيلا لمفهوم الجامعة المواطنة التي تسمح للجميع بالتحصيل العلمي والمعرفي بطريقة ميسرة حسب الظروف والإمكانات المتعلقة بكل فئة معينة. وذلك مع مراعاة معايير وشروط الولوج حفاظا على مصداقية الشواهد الجامعية.
ومن الناحية العملية، إن التكوين وفق نمط التوقيت الميسر عرف إقبالا كبيرا وناجحا في جميع المؤسسات الجامعية التي قررت فتحه على الصعيد الوطني وعلى صعيد جامعة ابن زهر، بل إنه غالبا ما توجه لنا أسئلة من قبيل متى سوف تفتحون التكوين وفق التوقيت الميسر على مستوى الإجازة، أو في هذا الماستر أو ذاك؟ وقد عبر الطلبة الأجراء والموظفون الذين يتابعون دراستهم في إطار التوقيت الميسر على مستوى تكوينات الماستر عن استحسانهم للتجربة، والدليل على ذلك أن نسبة الحضور جد مرتفعة.
إن الجامعة المغربية لا تدخر جهدا لتنويع عرضها التكويني، مع تحديد شروط الولوج، وأن الطلبة أحرار في تقديم ترشيحاتهم للولوج أو عدم الولوج إلى التكوينات المعروضة. فليس هناك إجبار لأي شخص والجامعة لم تفرض خدماتها على أي كان. إن الأمر يتعلق بخدمة عمومية تقدمها الجامعة لجميع المواطنين على قدم المساواة وفي إطار تكافؤ الفرص، إن التوقيت الميسر هو اختياري وليس إجباري.
إن الحقيقة التي لا يريد البعض تسليط الضوء عليها ومناقشتها، هو أن غالبية الموظفين أو الأجراء الذين يتابعون دراستهم في إطار التوقيت العادي، لا يحضرون إلى الكلية، سواء على مستوى الإجازة أو الماستر، وإذا حضروا فإنهم بالضرورة يغيبون عن عملهم، والجامعة كمؤسسة عمومية مواطنة ومسؤولة لا يمكنها من جهة قبول طلبة لا يحضرون نهائيا إلا في التقويمات، ومن جهة أخرى، لا يمكن للجامعة أن تكون سببا في غياب الموظفين عن عملهم وعدم قيامهم بواجبهم المهني المتمثل في خدمة المرتفقين والمواطنين. فالمفروض ان الجامعة تلقن العلوم والمعارف لكن أيضا تربي على القيم والمبادئ بهدف تكريس التخليق في الحياة العامة ولاسيما في المرفق العام، ومن أهم عناصر التخليق أداء الموظف لمهامه بأمانة وإخلاص وحضوره الفعلي لخدمة المرتفقين بدل الغياب عن مقر العمل من أجل التحصيل الدراسي.
إن الجامعة العمومية المغربية من خلال نمط التوقيت الميسر حاولت إيجاد نوع من التوازن بين واجب العمل والحق في الدراسة، هدفها في ذلك خدمة المواطن المغربي في أي موقع كان، طالبا عاديا، موظفا أو أجيرا، فنانا أو رياضيا، من خلال تقديم عروض تكوينية متنوعة وملائمة لكل الفئات وفق أنماط متعددة وهي التكوين الحضوري وفق التوقيت العادي والميسر، التكوين عن بعد، والتكوين بالتناوب.













