لم يعد خافياً على أحد بمدينة إنزكان أن ملف تحرير الملك العمومي ومطاردة الباعة المتجولين ليس سوى قشرة خارجية لخلل أعمق وأكثر خطورة. فبينما تتواصل حملات إخلاء الأرصفة، يُفتح في الكواليس ملف ثقيل يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير الملايين من المال العام التي ضُخت في مشاريع اجتماعية كان يُفترض أن تنهي ظاهرة “العشوائية”، فإذا بها تتحول إلى وسيلة للريع والمضاربة خارج أحكام القانون!
فقد تأسست هذه المشاريع الاجتماعية — وفي مقدمتها سوق الحرية والفضاء المركزي للتسوق — على فلسفة واضحة وحاسمة، تروم إدماج الباعة المتجولين داخل فضاءات تجارية منظمة، وضمان دخل قار ومستدام للفئات الهشة، مقابل تحرير شوارع المدينة وأرصفتها بشكل نهائي. غير أن الواقع الميداني أثبت أن هذه الفلسفة تُهدر جهاراً نهاراً؛ إذ اختار عدد من المستفيدين هجر محلاتهم والعودة فوراً إلى احتلال الملك العمومي، بينما أقدم آخرون على بيع وتفويت محلات حصلوا عليها في إطار برامج اجتماعية، في ضرب صارخ للالتزامات والأهداف التي أُنشئت من أجلها، وكأنها ممتلكات خاصة أُحدثت بغرض المضاربة وتحقيق أرباح شخصية.
إن هذا الوضع النشاز يضع السلطات والجهات المعنية أمام محك حقيقي ويفرض فتح تحقيق شامل وفوري، فكل محل مغلق أو مُباع بشكل غير قانوني هو دليل على هدر صارخ للمال العام وطعنة صريحة لجهود التنمية والتنظيم بالمدينة. كيف يُسمح لمن استفاد من بديل كريم بالعودة للشارع واحتلال الرصيف مجدداً؟ وأين هي آليات التتبع والمراقبة التي جرى التعهد بها لحماية هذه البرامج من التفريغ من محتواها؟
إن أي سياسة لمحاربة احتلال الملك العمومي ستظل مجرد مسكنات مؤقتة وحبر على ورق ما لم يتم الدخول إلى جوهر المشكلة؛ وذلك عبر إجراء جرد ميداني شامل لجميع المحلات، والتدقيق في أسباب إغلاقها، والكشف عن حالات التفويت غير القانوني، مع التفعيل الفوري لمسطرة السحب بحق كل من أخل بالتزاماته، وإعادة توجيه تلك الفضاءات إلى مستحقين حقيقيين قادرين على استغلالها وفق الغايات التنموية الأصلية.
الرهان اليوم في إنزكان لم يعد يقتصر على تحرير رصيف هنا أو زنقة هناك، بل يتعلق بحماية المال العام وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول مشاريع الإدماج الاجتماعي إلى أداة لإنتاج الفوضى والالتفاف على القانون بدل أن تكون وسيلة لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
A.Bout











