تحركات ترابية صارمة لمحاصرة التوظيف الانتخابي وتضارب المصالح في توزيع المال العام

شهدت عمالات وأقاليم المملكة تحركاً مستعجلاً للسلطات الترابية، من بينها إقليمي إنزكان آيت ملول واشتوكة آيت باها، لحث رؤساء المجالس الجماعية على الإسراع بعقد اجتماعات لجان التنشيط الرياضي والثقافي. وتأتي هذه الخطوة للتمهيد لعقد دورات استثنائية للمجالس من أجل المصادقة على لوائح الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي، تنفيذاً لتعليمات صارمة وبروح استعجالية صادرة عن وزارة الداخلية لتشديد الرقابة على أوجه صرف المال العام الموجه لجمعيات المجتمع المدني.

وجاء هذا الاستنفار الترابي بعد أن تقاطرت على مصالح وزارة الداخلية تقارير سوداء وشكايات تظلم رفعتها جمعيات مدنية تضررت من الطرق المزاجية والزبونية التي تُوزع بها المنح في عدد من الجماعات. وتضمنت هذه التقارير اتهامات ثقيلة لبعض المنتخبين بتوظيف أموال الدعم لخدمة أجندات انتخابوية سابقة لأوانها، حيث رصدت السلطات تفاوتات صارخة تمثلت في إقصاء جمعيات جادة تشتغل ميدانياً منذ سنوات طويلة، مقابل إغداق منح مالية ضخمة على جمعيات حديثة التأسيس أو أخرى “مكيفة” يديرها مقربون من رؤساء الجماعات ونوابهم؛ ما أثار شبهات قوية حول استغلال النفوذ، وتضارب المصالح، وتبديد أموال عمومية لأغراض سياسوية ضيقة.

وأمام هذا الوضع، عممت وزارة الداخلية تعليمات حازمة على الولاة والعمال عبر ربوع المملكة لإلزام رؤساء الجماعات بالامتثال التام للقوانين المنظمة لمنع أي استغلال سياسي للمنح. وتشدد التوجيهات الجديدة على وجوب خروج دعم الجمعيات بموجب مقرر رسمي يصدره المجلس الجماعي، يحدد بوضوح أسماء الجمعيات المستفيدة والمبالغ المخصصة لكل منها بدقة، شريطة أن تكون هذه الاعتمادات مدرجة مسبقاً في الباب المخصص لها بميزانية الجماعة المصادق عليها. كما تُذكر السلطات بتفعيل مقتضيات القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، والتي تحظر بشكل قطعي إبرام أي اتفاقيات تمويل أو شراكة مع جمعيات يكون أحد أعضائها عضواً في المجلس الجماعي نفسه، وذلك لقطع الطريق نهائياً على حالات تضارب المصالح وضمان مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين الجمعويين النشيطين.

وفي سياق إصلاحي جذري يقطع مع ممارسات الماضي، حملت دورية وزير الداخلية الأخيرة المتعلقة بإعداد وتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية تغييراً جوهرياً في هندسة تدبير هذا الملف. فقد جردت الدورية المنتخبين من سلطة الإشراف المباشر والتأشير على منح الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية، ونقلت هذا الاختصاص بشكل كامل إلى يد المسؤولين الترابيين من ولاة وعمال. هذا الإجراء، الذي شمل أيضاً وضع ضوابط صارمة لكيفية التعامل مع الجماعات التي تعاني من عجز مالي، جعل من المنح التكميلية ودعم الأنشطة الجمعوية اختصاصاً حصرياً للإدارة الترابية، مما يضمن تحييد هذه الأموال عن الصراعات السياسية الحزبية وتحسين حكامة تدبير الدعم العمومي وتوجيهه لمن يستحقه فعلياً بشتى الأقاليم.

الأخبار ذات الصلة

1 من 971

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *