تشكل حملات تحرير الملك العمومي واحدة من أهم الآليات التي تلجأ إليها السلطات لإعادة النظام إلى الفضاءات العامة، وضمان احترام القانون، وحماية حقوق المواطنين في استعمال الأرصفة والساحات والملك المشترك. وهي حملات تحظى في الأصل بتأييد واسع؛ لأن الجميع يتفق على أن احتلال الملك العمومي بشكل غير قانوني أصبح ظاهرة تؤثر سلباً على السير والجولان، وتشوه المشهد الحضري، وتضر بالمصلحة العامة.
غير أن ما يثير الاستغراب، ويطرح أكثر من علامة استفهام، هو أن عدداً من هذه الحملات ــ بحسب ما يرصده فاعلون محليون ومواطنون في عدة مناطق ــ تبدو في بعض الأحيان انتقائية في التنفيذ؛ حيث يتم تطبيق القانون على فئة معينة، بينما تُستثنى محلات ومقاهٍ معروفة بأنها تعود لمنتخبين أو لأشخاص ذوي نفوذ، رغم وجود مخالفات مماثلة لديها.
هذا الواقع يخلق شعوراً بالإحباط لدى أصحاب المحلات الذين طالتهم إجراءات التحرير، ليس لأنهم يرفضون احترام القانون، بل لأنهم يتساءلون عن سبب تطبيقه على البعض دون غيرهم. فالقانون، في نظرهم، يجب أن يكون واحداً ويسري على الجميع دون تمييز، وإلا فقد جزءاً كبيراً من قوته وهيبته. وتزداد حدة هذا الإحساس عندما يلاحظ المواطن أن مقهى أو محلاً معيناً يستمر في استغلال الرصيف أو الملك العمومي دون أن تمسه أي إجراءات، في الوقت الذي تُزال فيه تجهيزات محلات أخرى مجاورة. مثل هذه المشاهد تفتح الباب أمام التأويلات، وتغذي الشكوك حول وجود اعتبارات غير قانونية تتحكم في سير بعض الحملات.
إن الانتقائية، إن وُجدت، لا تسيء فقط إلى صورة حملات تحرير الملك العمومي، بل تضر أيضاً بثقة المواطنين في المؤسسات؛ لأن العدالة لا تتحقق بمجرد تطبيق القانون، وإنما بتطبيقه على الجميع بالمعايير نفسها، دون استثناء أو محاباة أو تأثير للصفة السياسية أو الانتخابية. ولا يمكن إنكار أن السلطات في العديد من المدن حققت نجاحات مهمة في استرجاع الملك العمومي، وأن عدداً كبيراً من الحملات اتسم بالحياد والصرامة، غير أن نجاح هذه المبادرات يبقى رهيناً بالاستمرارية والشفافية والمساواة، حتى لا تتحول إلى مصدر للجدل بدل أن تكون عنواناً لاحترام القانون.
فالمطلوب اليوم ليس فقط تحرير الأرصفة والساحات، بل أيضاً تحرير مفهوم تطبيق القانون من كل شبهة انتقائية. فحين يشعر المواطن بأن الجميع يخضع للقواعد نفسها، يزداد احترامه للمؤسسات، وتتكرس دولة الحق والقانون. أما عندما يُنظر إلى بعض المخالفين باعتبارهم فوق المساءلة بسبب مواقعهم أو نفوذهم، فإن أول ضحايا ذلك هو الإحساس بالإنصاف، وهو أساس أي مجتمع يسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة.










