فتحت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بحثاً قضائياً تحت إشراف النيابة العامة المختصة، لتحديد ظروف وملابسات حادث إقدام شخص —كان موضوع بحث في قضية زجرية— على محاولة انتحار، مما تسبب له في إصابات خطيرة استدعت نقله إلى المستشفى في حالة حرجة، فارق على إثرها الحياة.
ووفقاً للمعطيات الأولية المدعومة بالمعاينات المكانية، فإن المعني بالأمر أقدم على القفز من نافذة مكتب يقع بطابق علوي بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وذلك أثناء إخضاعه لإجراءات البحث التمهيدي للاشتباه في تورطه في أفعال يعاقب عليها القانون. ورغم نقله على وجه السرعة إلى المؤسسة الاستشفائية ووضعه تحت العناية المركزة، إلا أن المنية وافته لاحقاً.
وتباشر المصالح المعنية أبحاثها القضائية تحت الإشراف المباشر للنيابة العامة، وفي احترام تام للمساطر القانونية الجاري بها العمل، لاستجلاء كافة الظروف والخلفيات المرتبطة بهذا الحادث، وترتيب المسؤوليات القانونية بناءً على ما ستسفر عنه نتائج التحقيق.
غير أن الحادث، وقبل صدور أي نتائج رسمية، أثار موجة من التأويلات والاتهامات المتداولة على بعض منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ ذهب البعض إلى اتهام عناصر الفرقة الوطنية بالتسبب في وفاة المعني بالأمر عبر “رميه من الطابق الرابع”، وهي مزاعم عارية من الصحة ولم تستند إلى أي معطيات موثقة أو بلاغات رسمية.
وفي هذا السياق، يجدر التذكير بأن عمل مصالح الأمن الوطني يخضع لرقابة مؤسساتية وقضائية صارمة، سواء عبر إشراف النيابة العامة أو من خلال آليات المراقبة الداخلية. كما شهدت السياسة الأمنية خلال السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة نحو تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا سيما مع التوجهات التي أرساها عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني، لتخليق المرفق الأمني وتحديث آلياته.
أما بخصوص الفرضيات المتداولة، والتي تشير إلى مباغتة المعني بالأمر بأدلة محجوزة (من بينها حاسوب وهاتف)، فإنها تظل في حيز التكهنات غير المؤكدة، ولا يمكن اعتمادها كحقائق ما لم تثبتها نتائج البحث القضائي. ومن المعلوم أن أي شخص خاضع للبحث يتمتع بالضمانات التي يكفلها القانون، وأن تحديد المسؤوليات يتم حصراً عبر القضاء، لا عبر “محاكمات افتراضية” في الفضاء الرقمي.
إن احترام قرينة البراءة، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالمؤسسات العمومية، يقتضي التريث وانتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية. فالتسرع في إصدار الأحكام، أو “الصيد في الماء العكر” عبر استثمار حادث مؤلم لإطلاق اتهامات مرسلة، لا يخدم الحقيقة ولا يعزز الثقة في المؤسسات.
وفي انتظار ما ستعلنه الجهات المختصة من نتائج نهائية، يبقى الرهان الأساسي هو تمكين العدالة من أخذ مجراها الطبيعي، بعيداً عن الضغوط والتأويلات، وبما يضمن كشف الحقيقة كاملة وترتيب الآثار القانونية على ضوئها.










