في خطوة تحمل دلالات قوية على توجه الدولة نحو تكريس سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة، عمّمت المصالح المركزية بوزارة الداخلية تعليمات استعجالية على عمال العمالات والأقاليم، تدعوهم فيها إلى إلزام القواد والباشوات ورؤساء الدوائر —كلٌّ حسب نفوذه الترابي— بالتتبع الصارم والمواكبة الميدانية لمساطر تنفيذ الأحكام القضائية المتعثرة الصادرة بحق منتخبين متورطين في مخالفات تعميرية.
وحسب مصادر عليمة، فإن هذه التعليمات تأتي في سياق معالجة حالة “الجمود غير المبرر” التي طبعت تنفيذ عدد من القرارات القضائية النهائية، خاصة تلك القاضية بإرجاع عقارات إلى حالتها الأصلية بعد ثبوت تورط منتخبين متنفذين في استغلال مواقعهم التمثيلية لإنجاز بنايات مخالفة للتصاميم المرخصة، أو التوسع غير القانوني في الملك العام أو الخاص.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عدداً من هذه الملفات يهم عدة جماعات ترابية حيث سُجلت اختلالات واضحة في احترام ضوابط التعمير، مقابل تراخٍ في تفعيل الأحكام القضائية؛ مما ساهم في تغذية شعور عام بالإفلات من العقاب، وخلق مفارقة صارخة بين صرامة القانون تجاه المواطن البسيط، والمرونة غير المبررة مع بعض المنتخبين.
وتؤكد التوجيهات الجديدة على ضرورة تحمل السلطات المحلية لمسؤولياتها الكاملة، ليس فقط في معاينة المخالفات، بل في السهر على التنفيذ الفعلي للأحكام داخل آجال معقولة، مع رفع تقارير دورية حول تقدم المساطر، وتحديد مكامن التعثر والمسؤوليات المحتملة، سواء كانت إدارية أو سياسية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن سياق وطني أوسع يروم تخليق الحياة العامة، وضبط مجال التعمير الذي ظل لسنوات أحد أكثر المجالات عرضة للريع واستغلال النفوذ، خصوصاً حين يتحول بعض المنتخبين من حماة للقانون إلى أول خارفيه، مستغلين مواقعهم لتطويع المساطر أو تعطيلها.
ويرى متتبعون أن نجاح هذه التوجيهات يبقى رهيناً بمدى الجدية في تنزيلها ميدانياً، بعيداً عن منطق الانتقائية، مؤكدين أن الرسالة المراد إيصالها هي أن الأحكام القضائية ليست مجرد وثائق إدارية، بل قرارات ملزمة تعلو فوق كل اعتبار، وأن المنتخب —مهما كانت صفته— ليس فوق القانون.
في المحصلة، يبدو أن وزارة الداخلية تسعى إلى تصحيح أعطاب راكمها تدبير متساهل لملف التعمير، وإعادة الاعتبار لهيبة القضاء، في أفق ترسيخ عدالة مجالية حقيقية تعيد ثقة المواطن في المؤسسات، وتضع حداً لزمن “البناء غير القانوني” المحمي بالنفوذ والصفة الانتخابية.











