أضحى تحقيق السيادة الغذائية بالمغرب رهانا استراتيجيا يتجاوز حدود الرفع من الإنتاج الفلاحي، ليشمل قدرة البلاد على تأمين حاجياتها الأساسية من الغذاء، وتقليص مواطن التبعية للأسواق الخارجية، وضمان استمرارية التموين في مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية.
غير أن بلوغ هذا الهدف يقتضي وضع ضوابط واضحة تؤطر السياسات الفلاحية والغذائية، وتضمن التوازن بين متطلبات الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية والعدالة الاجتماعية.
فالسيادة الغذائية لا تتحقق بمجرد إنتاج كميات أكبر من المحاصيل، بل ببناء منظومة متكاملة قادرة على توفير غذاء كاف وآمن ومتنوع وبأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين.
وتتمثل الضابطة الأولى في ملاءمة الإنتاج الفلاحي مع الإمكانات المائية والبيئية للمغرب، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية المتاحة. ويستدعي ذلك إعادة النظر في الاختيارات الزراعية وفق خصوصيات الأحواض المائية والمناطق الفلاحية، مع إعطاء الأولوية للمحاصيل التي تستجيب للحاجيات الغذائية الوطنية وتتلاءم مع الظروف المناخية المحلية.
كما ينبغي تقييم نجاعة تقنيات الري المقتصد للماء على أساس أثرها الفعلي على الاستهلاك الإجمالي، وليس فقط على مستوى الضيعات، إلى جانب حماية الفرشات المائية والتربة وتعزيز الزراعة المستدامة.
فاستنزاف الموارد الطبيعية من أجل تحقيق مردودية ظرفية قد يقوض قدرة الأجيال المقبلة على إنتاج غذائها، ويحول السيادة الغذائية إلى هدف يصعب استدامته.
أما الضابطة الثانية، فتتعلق بتحديد الأولويات الغذائية والإنتاجية انطلاقا من حاجيات السوق الوطنية، بدل اختزال السياسة الفلاحية في حجم الإنتاج أو المردودية الاقتصادية أو التوجه نحو التصدير.
ويقتضي ذلك تحديد المواد الغذائية الاستراتيجية التي تستوجب تعزيز الإنتاج المحلي منها، مع مراعاة كلفة إنتاجها ومدى ملاءمتها للموارد المتاحة، وتطوير قدرات التخزين والتحويل والتوزيع لتقليص التقلبات الموسمية. ولا يعني هذا التوجه التخلي عن المبادلات التجارية الدولية أو السعي إلى الاكتفاء الذاتي المطلق، بل تنويع مصادر التوريد وتقليص مخاطر الاعتماد المفرط على أسواق محدودة، مع الحفاظ على توازن مرن بين الإنتاج الوطني والاستيراد الاستراتيجي.
ويظل نجاح هذه المقاربة رهينا بقدرتها على ضمان الإمدادات الأساسية حتى في فترات الجفاف والاضطرابات الدولية.
وتبرز ضابطة العدالة المجالية والاجتماعية باعتبارها عنصرا حاسما في بناء السيادة الغذائية، من خلال دعم الفلاحين الصغار والمتوسطين والتعاونيات، وتحسين ولوجهم إلى التمويل والتأمين الفلاحي والبذور الملائمة والتكنولوجيا والتكوين والأسواق.
فتركيز الدعم والاستثمارات دون مراعاة الفوارق بين الضيعات والمناطق قد يؤدي إلى تعميق الاختلالات داخل القطاع، ويحد من مساهمة المنتجين المحليين في تأمين الحاجيات الغذائية.
كما ينبغي ربط السياسة الإنتاجية بحماية القدرة الشرائية للأسر، لأن وفرة المواد الغذائية لا تعني بالضرورة إمكانية اقتنائها من طرف جميع المواطنين. ومن ثم، فإن ضبط سلاسل التسويق، والحد من الفاقد الغذائي، وتحسين شفافية الأسعار، وتعزيز المنافسة، تشكل جميعها مداخل ضرورية لضمان توزيع أكثر إنصافا للقيمة المضافة بين المنتجين والوسطاء والمستهلكين.
وتفرض الضابطة الرابعة اعتماد حكامة مندمجة تقوم على التنسيق بين السياسات الفلاحية والمائية والطاقية والتجارية والاجتماعية، مع وضع مؤشرات دقيقة لقياس التقدم المحرز.
وينبغي أن تشمل هذه المؤشرات نسبة تغطية الحاجيات الوطنية من المواد الاستراتيجية بالإنتاج المحلي، ومستوى الاعتماد على الاستيراد، وكلفة المياه المستعملة في الإنتاج، وتطور دخل الفلاحين، وأسعار السلة الغذائية الأساسية، وحجم الفاقد والهدر الغذائي.
كما يتعين تحديد أهداف مرحلية قابلة للتقييم، ونشر النتائج بصورة منتظمة، وربط الدعم العمومي بمدى احترام المعايير البيئية وتحقيق الأهداف الإنتاجية والاجتماعية.
وتسمح هذه الآلية بالتمييز بين النتائج الظرفية التي قد تحققها مواسم فلاحية جيدة، والتحولات الهيكلية التي تعزز قدرة المنظومة الغذائية على الصمود أمام الأزمات.
إن السيادة الغذائية بالمغرب لا ينبغي أن تقاس فقط بكمية ما تنتجه الأرض، بل بقدرة البلاد على ضمان غذاء مستدام وآمن ومتاح للجميع، دون استنزاف المياه والتربة أو تعميق الهشاشة الاجتماعية.
ويقتضي ذلك الانتقال من منطق الإنتاج المكثف إلى منطق الأمن الغذائي المستدام، الذي يوازن بين المردودية الاقتصادية والقدرة البيئية والعدالة في الولوج إلى الغذاء.
كما أن إدراج السيادة الغذائية ضمن أولويات السياسات العمومية لن يكتسب مضمونه الفعلي إلا من خلال برامج محددة التمويل، وأهداف قابلة للقياس، وآليات للمراقبة والمساءلة.
وبهذا المعنى، تصبح السيادة الغذائية مشروعا وطنيا متكاملا، قوامه حماية الموارد الطبيعية، وتقوية الإنتاج المحلي، وتحصين الاقتصاد من الصدمات الخارجية، وضمان حق المواطنين في غذاء كافٍ وجيد وبأسعار معقولة.














