من العبث الإداري إلى العبث الإعلامي… مسؤولو أيت ملول يلتفون على فضيحة “شواطئ النظافة”

في خطوة تكشف حجم الارتجال وغياب الدقة في إعداد الصفقات العمومية، أثار دفتر التحملات الخاص بصفقة التدبير المفوض لقطاع النظافة بجماعة أيت ملول موجة من الجدل السخرية والاستنكار في آن واحد. فبدل أن يتم تفصيل دفاتر التحملات على مقاس حاجيات المدينة وخصوصياتها الجغرافية والمجالية، أظهرت المعطيات الموثقة أن المجلس الجماعي إعتمد على وثيقة تم “نسخها ولصقها” بحذافيرها من دفاتر تحملات خاصة بجماعات ترابية ساحلية.

وتتمثل الواقعة الصادمة التي وثقها تحقيق ميداني وتحليلي لدفتر التحملات المصادق عليه، في تخصيص فقرات كاملة (لا سيما الصفحتين 320 و321) لتنظيف الشواطئ، وجمع المخلفات بالشريط الساحلي، وتركيب السناسل، وتخصيص جداول زمنية دقيقة لجمع نفايات البحر بمدن تعانق الأمواج. والغريب المثير للاستغراب أن مدينة أيت ملول مدينة داخلية لا توجد بها أصلاً أي واجهة بحرية أو شواطئ مما يطرح علامات استفهام كبرى حول الجهة التي أعدت هذا الدفتر . ويؤكد هذا المعطى بالملموس أن المجالس المنتخبة قد تكون وقعت في فخ “النسخ واللصق” الأعمى من تجارب مدن أخرى، والاكتفاء بتعديل الصفحات الأولى فقط وترك الجوهر والصفقات الكبرى رهينة للعبث الإداري.

ورغم ثقل هذه المعطيات وحجم الفضيحة الموثقة بالصفحات والأرقام، وبدلاً من أن تقدم الجماعة توضيحات رسمية وشافية للرأي العام وتتحمل مسؤوليتها الإدارية، خرج موظف من داخل الجماعة عبر تسجيلات صوتية بمجموعات “الواتساب” بخرجة غير مفهومة حادت كلياً عن أصل الموضوع. فبدل الإجابة عن التساؤل الجوهري حول كيفية إقحام “شواطئ وهمية” في دفتر تحملات مدينة داخلية، اختار الموظف الهرب إلى الأمام عبر الشروع في مناقشة نقط جانبية وتوجيه اتهامات خطيرة، مفادها وجود أطراف تسعى لتشوية سمعة الجماعة وتسخير أشخاص لقلب حاويات النفايات. وهو أسلوب اعتُبر بمثابة محاولة مكشوفة لذر الرماد في العيون والالتفاف على أصل النقاش المرتبط بتدبير الصفقات العمومية وحماية المال العام.

إن تدبير قطاع حساس وحيوي مثل قطاع النظافة – الذي يلتهم الاعتمادات المالية الضخمة من ميزانية الجماعات – لا يحتمل هذا المستوى من العشوائية. فالصفقة التي امتدت تدبيرها لسبع سنوات سابقة، وخضعت لمصادقة أغلبية الأعضاء المزاولين في محطات مختلفة (فبراير وأكتوبر 2024)، كانت تقتضي صرامة كبرى في صياغة البنود المرتبطة بالحكامة، وتحديد الأطنان، ومراقبة جودة الخدمات، لا سيما في ظل التنافسية وتدخل لجان المراقبة الإقليمية والجهوية والمركزية. غير أن تمرير دفاتر تحملات تتضمن التزامات ومستحقات مالية موجهة لأنشطة غير موجودة على أرض الواقع بأيت ملول، ينسف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويحول الصفقات العمومية من آلية للتنمية المحلية وتحسين إطار وجمالية العيش إلى مجرد “نسخ” إداري يفتقر لأدنى شروط اليقظة والمسؤولية.

وأمام هذا الوضع، يبرز جلياً أن إصلاح قطاع النظافة ورفع كفاءة التدبير المفوض لا يتأتى إلا بقطع دابر الارتجالية، وإشراك الكفاءات والفعاليات المحلية الجادة في إعداد النقاشات العمومية بالحجة والدليل، بعيداً عن المزايدات السياسية الفارغة ومحاولات التملص من المسؤولية، لتظل مصلحة مدينة أيت ملول وساكنتها فوق كل اعتبار.

الأخبار ذات الصلة

1 من 946

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *