بين نفوذ الأعيان ورهان الشباب: سؤال التنمية والقرار الانتخابي بأيت باها

تُشكل المناطق الجبلية في المغرب، وفي مقدمتها دواوير منطقة أيت باها، مجالات ترابية غنية بتاريخها وثقافتها، لكنها تظل محاصرة بواقع تنموي معقد، تبرز في قلبه ظاهرة هيمنة الأعيان وتأثير المال السياسي على القرار الانتخابي كواحدة من أكبر العقبات التي تعرقل قطار التنمية المحلية، وتسهم بشكل مباشر في إعاقة بروز نخب شابة ومثقفة قادرة على أحداث التغيير.

تعتمد قوى النفوذ التقليدية والمال السياسي في أيت باها على ميكانيزمات متشابكة لتوجيه الكتلة الناخبة، في مقدمتها استغلال هشاشة الواقع الاجتماعي واحتياجات السكان، وهي الظاهرة التي تفاقمت مع تزايد نزيف الهجرة القروية نحو المدن. كما يلعب النفوذ القبلي والعائلي دورًا حاسمًا في توجيه الأصوات جماعيًا نحو أشخاص أو أحزاب بوازع الولاء التقليدي بدلاً من المفاضلة بين البرامج التنموية. وتكتمل هذه الحلقة بشبكات الزبونية وتبادل المصالح، حيث يستغل بعض رؤساء الجماعات نفوهم للتأثير على الناخبين وضمان التزكيات، وسط حديث مستمر عن استفادة بعض المنتخَبين من أموال المرشحين لشراء الأصوات. ويصطدم كل ذلك بضعف التأطير السياسي والثقافي، واقتصار عمل أغلب الجمعيات المحلية على المبادرات الإحسانية والموسمية، دون التركيز على نشر ثقافة الحقوق والمواطنة أو خوض ترافعات مؤسسة على الوثائق والأرقام.

وقد أدى هذا الواقع المتشابك إلى نتائج قاسية على المنطقة، تتجلى في استمرار هيمنة الأعيان، وتكريس ضعف التداول على السلطة، وعزل النخب الشابة والمثقفة، مما تسبب في تعثر المشاريع التنموية بشتى أبعادها، وتوارى المصلحة العامة لصالح المكاسب الفئوية والشخصية الضيقة.

غير أنه وأمام هذا الانسداد، يبزغ أمل واعد يقوده شباب جبال “أدرار”، الذين يراهنون على رفع منسوب الوعي والتصدّي لآفات المشهد الانتخابي عبر مسارات متعددة. ويأتي في مقدمة هذه المسارات التوعية الرقمية عبر فضح مظاهر التهميش بالدلائل، ومقارنة أوضاع المنطقة بمناطق أخرى نجحت في التنمية، مع نشر ثقافة التصويت على البرامج والدعوة إلى ممارسة التصويت العقابي ضد كل منتخب أخل بعهوده. يضاف إلى ذلك الانخراط الجاد في العمل الجمعوي والثقافي لتقديم بدائل تنموية حقيقية وبناء الثقة مع الساكنة بعيدًا عن الاستغلال السياسي، فضلًا عن ظاهرة الهجرة العكسية للشباب المتعلم والأطر الذين قرروا العودة إلى دواويرهم للاستثمار والعمل الميداني، مساهمين في رفع مستوى الحس النقدي لدى المواطنين والمطالبة بالخدمات الأساسية.

ورغم هذه الدينامية الشابة، تظل الطريق شاقة ومحفوفة بالتحديات، في ظل صعوبة اختراق التنظيمات الحزبية المحلية التي تجثم عليها عقليات الأعيان والمال السياسي. إلا أن النجاح يظل ممكنًا ويتوقف بالأساس على ارتفاع وعي الشباب، وتنامي مشاركة النساء في النقاش العام، واستحضار القيم النضالية مع نكران الذات، والاستمرار في التأطير الميداني اليومي بدلاً من العمل الموسمي.

إن الرسالة الأساسية التي ينبغي استيعابها هي أن تحقيق أي قفزة تنموية حقيقية بمنطقة أيت باها يمر حتماً عبر تحرير القرار الانتخابي من سلطة المال والنفوذ، فالوعي السياسي هو المدخل الأساسي للإصلاح. كما أن المجتمع المدني مطالب بالانتقال من العمل الإحساني إلى التأطير والترافع الفعال، ليكون التصويت قائمًا على البرامج والكفاءة، وليظل التصويت العقابي خيارًا ديمقراطيًا ناضجًا لمساءلة ومحاسبة كل من جعل من صوت المواطن وسيلة للاغتناء وقضاء المصالح الضيقة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 93

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *