إذا كانت الرقابة البرلمانية تُقاس بمدى ملامستها لانشغالات المواطنين اليومية، فإن قطاع الصحة كان بلا شك أحد أكثر القطاعات التي استأثرت باهتمام النائب البرلماني خالد الشناق خلال ولايته التشريعية. فمنذ بداية عمله النيابي، لم تقتصر أسئلته على المطالب العامة، بل امتدت لتشمل أدق التفاصيل المرتبطة بالخدمات الصحية، ونقص الأطر الطبية، وتعثر المشاريع، وسلامة الأدوية، والأمن الصحي، والوقاية من الأوبئة، وحماية المستهلك. وتكشف الأسئلة التي وجهها إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن تتبع مستمر لواقع المنظومة الصحية، سواء على مستوى عمالة إنزكان أيت ملول أو جهة سوس ماسة، بل وحتى على المستوى الوطني في القضايا المرتبطة بالصحة العامة.
وفي إطار دفاعه عن حق ساكنة إنزكان أيت ملول في العلاج، أثار خالد الشناق الخصاص الكبير الذي يعرفه المستشفى الإقليمي بإنزكان، محذراً من استقالة عدد من الأطباء الأخصائيين، وعلى رأسهم طبيب النساء والتوليد والطبيبة المختصة في الأمراض التنفسية والصدرية، إضافة إلى غياب سيارة إسعاف للإنعاش الطبي من نوع “SAMU”، وهو ما اعتبره تهديداً مباشراً لحق المواطنين في التطبيب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عاد ليطرح من جديد ملف المستشفى الإقليمي، مؤكداً استمرار الخصاص المهول في الموارد البشرية، وغياب أطباء متخصصين في أمراض النساء والتوليد، والجلدية، والإنعاش والتخدير، إلى جانب الوضعية الصعبة التي يعيشها قسم المستعجلات، مطالباً الوزارة بتصحيح هذا الوضع الذي يمس ساكنة يتجاوز عددها نصف مليون نسمة.
وامتدت هذه الرقابة الصارمة لتشمل تدبير المرفق الصحي؛ حيث وجه الشناق سؤالاً حول ما وصفه باختلالات خطيرة في اقتناء وتدبير الأدوية والمستلزمات الطبية والكواشف المخبرية بالمستشفى الإقليمي بإنزكان، محذراً من اقتناء وتوزيع بعض الأدوية خارج المساطر القانونية ودون المرور عبر الصيدلية الاستشفائية، مما يشكل خطراً على سلامة المرضى، ومطالباً بإيفاد لجنة مركزية للافتحاص والتفتيش وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولم يكن هذا الملف المعزول في اهتمامه بالدواء، إذ شكلت أزمة انقطاع الأنسولين بالمراكز الصحية التابعة لعمالة إنزكان أيت ملول إحدى أبرز القضايا الاجتماعية التي حملها إلى البرلمان، حيث نقل معاناة مئات المرضى الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على شراء هذا الدواء الحيوي من الصيدليات بأثمان مرتفعة رغم محدودية إمكانياتهم المادية، مطالباً الوزارة بوضع حد لهذا الخصاص وضمان استمرارية التزود به.
ولم تقتصر تدخلات الشناق على الخدمات الاستشفائية الكلاسيكية، بل امتدت إلى الأمن الصحي والغذائي للمواطنين؛ فعقب الجدل الذي رافق إعادة شحنة من البرتقال المغربي من طرف السلطات الهولندية بسبب احتوائها على مادة “الكلوربيريفوس”، طالب بالكشف عن كيفية وصول هذه الكميات إلى الأسواق المغربية، خاصة بعد تداول صور لبيعها بعدد من مدن عمالة إنزكان أيت ملول، داعياً إلى مساءلة الجهات المسؤولة عن مراقبة سلامة المنتجات الغذائية. كما أعاد إثارة قضية الفراولة المغربية بعد تداول تقارير إعلامية أجنبية تحدثت عن احتوائها على فيروس التهاب الكبد “أ”، مطالباً الوزارة بتوضيح الحقيقة للرأي العام وتكثيف المراقبة حماية للأمن الصحي للمغاربة.
وفي سياق تفاعله مع القضايا الإنسانية المؤلمة، تفاعل النائب البرلماني مع قضية وفاة طفلة بعد خضوعها لعملية استئصال اللوزتين بإحدى المصحات الخاصة بأكادير، مطالباً بفتح تحقيق نزيه وشفاف في ظروف الوفاة وترتيب المسؤوليات، ومؤكداً ضرورة التصدي الصارم لأي إهمال طبي قد يهدد حياة المواطنين. ومع عودة انتشار داء الحصبة “بوحمرون”، دعا الشناق إلى تعزيز حملات التلقيح خاصة بالمناطق القروية، والتفكير في آليات مبتكرة لضمان استفادة جميع الأطفال من اللقاحات، مع تشديد المراقبة الصحية للحد من انتشار هذا الداء.
وعلى مستوى المؤسسات الاستشفائية الكبرى بالجهة، حظيت وضعية المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير بمتابعة دقيقة من طرفه، خاصة بعد تداول أخبار عن وفيات متتالية بقسم الولادة، حيث طالب الوزارة الوصية بالكشف عن حقيقة الوضع الصحي داخل المستشفى، وفتح تحقيق في الوفيات المسجلة، مع وضع برنامج استعجالي لإعادة تأهيل هذا المرفق الذي يعد أكبر مؤسسة استشفائية بالجهة. كما خص المستشفى الجامعي لسوس ماسة بعدة أسئلة برلمانية، متسائلاً عن أسباب تأخر افتتاح هذا المشروع الضخم رغم رصد ميزانية ضخمة له، وما ترتب عن ذلك من ضغط كبير على المستشفى الجهوي، ومعاناة مستمرة للمرضى، وتأثير سلبي على تكوين طلبة كلية الطب والصيدلة. ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة على افتتاح المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير حتى عاد الشناق لطرح سؤال جديد إثر تعطل جهاز “السكانير”، معتبراً أن نقل المرضى إلى مدن أخرى لإجراء فحص استعجالي أمر غير مقبول داخل معلمة صحية جامعية حديثة.
وفي إطار تتبعه للمشاريع المحلية، أثار الشناق تعثر مشاريع تأهيل وبناء المراكز الصحية بجماعة إنزكان، رغم إدراجها ضمن اتفاقية إطار لتأهيل العرض الصحي بعمالة إنزكان أيت ملول، متسائلاً عن الأسباب الحقيقية وراء تأخر تنفيذ هذه المشاريع في الوقت الذي انطلقت فيه الأشغال بالجماعات الترابية الأخرى. ولم تغب ملفات الصحة الوقائية والطوارئ عن أجندته؛ إذ ساءل الحكومة حول الإجراءات المتخذة لمواجهة متحور “أوميكرون”، كما طالب بخطة استعجالية لحماية ساكنة المناطق القروية بإقليم تارودانت من لسعات العقارب ولدغات الأفاعي بعد وفاة طفل بدوار الحجاج، داعياً الوزارة إلى دراسة أسباب تكرار هذه الوفيات واتخاذ تدابير وقائية وعلاجية فعالة خلال فصل الصيف.
وباستقراء مختلف هذه الأسئلة البرلمانية التي وجهها خالد الشناق، يتبين أن تدخله في قطاع الصحة لم يقتصر على ملف واحد أو رقعة جغرافية بعينها، بل تميز بالشمولية والتكامل؛ حيث شمل المستشفيات الجامعية والإقليمية، والمراكز الصحية للقرب، وتدبير الأدوية، وتوفير الموارد البشرية، وحفظ الأمن الغذائي، والتحقيق في الأخطاء الطبية, ومكافحة الأوبئة، وحماية حقوق المرضى، وتتبع المشاريع المتعثرة. وتبرز هذه الحصيلة الغنية أن الصحة شكلت أحد أبرز محاور العمل الرقابي للنائب البرلماني، من خلال مواكبة القضايا الحارقة التي تؤرق بال المواطنين، وتحويلها إلى أسئلة رقابية وبدائل مقترحة داخل المؤسسة التشريعية، بما يعكس حضوراً مستداماً لهذا القطاع الحيوي في صدارة أجندته البرلمانية.
وفي الحلقة المقبلة، سنستعرض محورًا آخر حاضرًا بقوة في الحصيلة البرلمانية، يتعلق بالتعليم والبحث العلمي والتكوين، من خلال الوقوف عند الأسئلة التي تناولت الهدر المدرسي، والجامعة، والبحث العلمي، وقضايا الطلبة، وإشكالات المنظومة التعليمية.











