أعادت الحملات الأخيرة التي باشرتها السلطات لترحيل ونقل فئات من المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب المتشردين والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية، فتح النقاش الوطني حول خلفيات وجدوى هذه السياسة. فقد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع صوراً ومقاطع فيديو توثق عمليات تجميع هؤلاء الأشخاص ونقلهم داخل حافلات من مدن كبرى إلى أقاليم أخرى، وهو ما أثار جدلاً صاخباً وانتقادات حادة ركزت في مجملها على طريقة التعامل مع هذه الفئات الهشة، ليتأكد من جديد أن المقاربة الحالية القائمة على “الترحيل” لا تمثل حلاً جذرياً للمشكلة، بل تكتفي بنقل الأزمة جغرافيّاً من حيز إلى آخر، دون معالجة الأسباب الحقيقية للظاهرة.
وقد تجسدت خطورة استمرار هذه الظاهرة دون معالجة حقيقية في الحادث الصادم الذي شهدته مدينة إنزكان مؤخراً، حيث تعرض عنصر تابع لفرقة السير والجولان، أثناء مزاولته لمهامه الاعتيادية في تنظيم حركة المرور، لاعتداء جسدي مفاجئ من طرف شخص تبدو عليه علامات الاضطراب العقلي والنفسي. هذا الحادث، الذي استنفر المصالح الأمنية بالمدينة وأثار موجة عارمة من الاستنكار والتعاطف مع رجل الأمن المصاب، أعاد بقوة إلى الواجهة النقاش حول ظاهرة تواجد المختلين عقلياً بالشوارع والأماكن العمومية، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر وخطير على سلامتهم الشخصية أولاً، وعلى سلامة المواطنين ومختلف العاملين بالمرافق العمومية الذين يؤدون واجبهم المهني ثانياً.
وأمام هذا الواقع، تواجه الأقاليم والمدن المستقبلة للمرحَّلين، على غرار انزكان و تزنيت وزاكورة، وتنغير، والراشيدية، وتازة، إشكالية تعميق جراحها الاجتماعية؛ فهذه المناطق تعاني بدورها من هوامش تنموية واقتصادية واجتماعية ضيقة، وتفتقر أساساً إلى البنيات الصحية والاجتماعية الكافية التي تؤهلها للتكفل بمثل هذه الحالات. إن وضعية المختلين عقلياً والمتشردين تحديداً، والتهديدات الأمنية والاجتماعية المرتبطة بها مثل واقعة إنزكان، تؤكد أنه لا يمكن الارتكان في تدبير ملفهم إلى المنطق الأمني أو الإداري الصِرف القائم على الإبعاد والتنقيل، بل يحتاج هؤلاء إلى تعزيز التكفل الصحي والاجتماعي عبر توفير رعاية طبية متخصصة، وإيداع الحالات التي تستدعي المتابعة داخل المؤسسات الاستشفائية المختصة حمايةً لهم وللمجتمع.
وقد بدت المقاربة الإدارية الظرفية جلية في حالات بعينها، مثلما حدث في مدينة القنيطرة، حيث شنت السلطات حملة واسعة لجمع المتشردين والمختلين عقلياً من الشوارع بالتزامن مع زيارة ولي العهد للمدينة؛ وهو سلوك يكرس الانطباع بأن هذه العمليات لا تعدو أن تكون مساحيق تجميلية مؤقتة للواجهة الحضرية، بدلاً من إيجاد حلول جذرية تضمن عدم تكرار الاعتداءات الحضرية وتضمن حماية الفئات الهشة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لمراجعة هذه المقاربة والتخلي عن الحلول اللحظية، مقابل اعتماد سياسات اجتماعية وصحية طويلة المدى، ترتكز على إنشاء وتعزيز مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتوفير مراكز متخصصة للعلاج النفسي والعقلي، فضلاً عن إطلاق برامج إدماج حقيقية ومواكبة مستمرة.
وفيما يخص ملف المهاجرين الأفارقة، فإن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي كجسر بين قارتين، يواجه تحديات معقدة وخاصة في تدبير تدفقات الهجرة، تتطلب دائماً التوفيق بين الهاجس الأمني واحترام حقوق الإنسان. وجدير بالذكر أن المملكة كانت قد أطلقت سياسة جديدة للهجرة واللجوء سنة 2014، بناءً على تعليمات ملكية سامية من جلالة الملك محمد السادس، وهي السياسة التي تميزت باعتماد مقاربة إنسانية وتضامنية رائدة. وقد حظيت هذه التجربة المغربية بإشادة دولية واسعة، لا سيما من طرف المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأشكال المعاصرة للعنصرية، والتي اعتبرتها نموذجاً وممارسة فضلى، مما بوأ المغرب مكانة كنموذج قاري وجهوي في إدارة هذا الملف عبر توفير إطار قانوني يحمي حقوق المهاجرين.
إلا أن الحفاظ على هذه المكتسبات الحقوقية، وتفادي وقوع حوادث اعتداء كأمر واقع في الشوارع، يقتضي اليوم الانتقال نحو خطة وطنية شاملة ومتكاملة؛ حيث بات من الضروري تدخل وزارة الداخلية بتنسيق وثيق ومباشر مع القطاعات الحكومية الأخرى لوضع استراتيجية وطنية موحدة.
إن دور وزارة الداخلية لا يجب أن يقتصر على تدبير الأزمات واحتوائها بعد وقوعها بالوسائل الإدارية والترحيل، بل يجب أن يشمل استباق الأزمات والمساهمة في بناء سياسات عمومية فعالة وعادلة تحمي المواطنين، ورجال الأمن الذين يبذلون مجهودات جبارة في حفظ النظام العام، وتضمن في الآن ذاته كرامة الفئات المصابة باضطرابات نفسية وعقلية.
يظل الرهان الحقيقي مرتبطاً بالقناعة الثابتة بأن ترحيل الأشخاص وتنقيلهم من مدينة إلى أخرى لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يحل المشكلة، بل يؤدي فقط إلى إعادة إنتاجها وتدويرها في بيئات وأماكن جديدة؛ والحل الفعلي والمسؤول يكمن في تفكيك ومعالجة الجذور الاجتماعية، الاقتصادية، والصحية للظاهرة عبر رؤية وطنية متكاملة تضمن الأمن للجميع والكرامة للمريض والمنسي في الشارع.
A.Bout











