حينما تسلم العامل محمد الزهر مفاتيح عمالة إنزكان آيت ملول في أكتوبر من عام 2025، كان يدرك جيداً أنه لا يلج مكاتب إدارية هادئة لالتقاط الأنفاس، بل يقتحم واحدة من أعقد المعادلات الترابية بجهة سوس ماسة وأكثرها ديناميكية وحساسية؛ فالإقليم ليس مجرد جغرافيا متداخلة تضم ست جماعات ترابية رئيسية، بل هو الشريان الاقتصادي النابض والبوابة الجنوبية لأكادير الكبير، التي تعيش تحت ضغط كثافة سكانية متفجرة، وتوسع عمراني متسارع، ومطالب اجتماعية متراكمة لا تقبل التأجيل أو ترف الانتظار، ومن هنا بدأت رحلة سبعة أشهر من الهندسة الترابية والتدبير الميداني الصارم، حيث وجد المسؤول الترابي الجديد نفسه أمام محك حقيقي لإثبات حضور الدولة كمنسق تنموي فعال وليس فقط كقوة ضبط إدارية، متبنياً أسلوباً ميدانياً قائماً على نهج القرب، والجولات المفاجئة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، في بيئة محلية لا تمنح الوافدين إليها مهلة طويلة للاستئناس بالملفات.
لقد اختار العامل منذ أسابيعه الأولى منهجية تدبيرية اعتمدت على “التشخيص الصامت” كخطوة أولى لبناء صورة دقيقة وخلفية واضحة عن مكامن الخلل في الإقليم، حيث فضّل التريث وعقد سلسلة من الاجتماعات الداخلية المغلقة والمكثفة مع رجال السلطة، ورؤساء الأقسام بالعمالة، وممثلي المصالح الخارجية للدولة، بدلاً من التسرع في إطلاق وعود أو مشاريع غير مدروسة، وتركزت هذه المرحلة الدقيقة على تشريح الملفات العالقة والمزمنة التي تؤرق بال الساكنة؛ وفي مقدمتها وضعية النقل الحضري، ومشاريع التأهيل المتعثرة، وإشكاليات التعمير والبناء غير القانوني، فضلاً عن معضلة الأسواق العشوائية والاختناق المروري، لتمثل هذه الفترة الحذرة قاعدة البيانات الصلبة التي انطلقت منها أولى التحركات الميدانية الواسعة في نونبر 2025 تزامناً مع احتفالات الذكرى السبعين لعيد الاستقلال، والتي شكلت التدشينات والزيارات الميدانية خلالها إعلاناً صريحاً عن النزول المباشر إلى الميدان وإعطاء الأولوية للمشاريع الجاهزة للتنزيل أو تلك التي بلغت مراحل متقدمة وتنتظر الدفعة الأخيرة لترى النور.
وفي قراءة متأنية للتعاطي مع جغرافيا الإقليم المتنوعة، يتضح أن الإدارة الترابية لم تقع في فخ النمطية، بل تعاملت مع كل جماعة بناءً على هويتها ووظيفتها الاقتصادية والاجتماعية، محوّلة قطاع الخدمات العمومية والنظافة وتأهيل البيئة إلى واجهة حقيقية للاختبار؛ فمدينة أيت ملول التي تشكل مركز الثقل الإداري، شهدت تركيزاً عاملياً صارماً على معالجة الفوارق المجالية بين أحيائها المهيكلة وتلك الهامشية، حيث وجّه العامل دعوة صريحة لتسريع أشغال البنية التحتية والإنارة، مع إطلاق مبادرة عاملية نوعية لتزويد المدينة بحاويات الأزبال استجابة لمطالب الساكنة الملحّة للحد من تراكم النفايات بالأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، وتكاملت هذه الجهود بزيارات تفقدية للقطب الاجتماعي بالمزار لتتبع مراكز تصفية الدم وفضاءات الفئات الهشة، وزيارة السجن المحلي أيت ملول 1 و2 للوقوف على برامج إعادة الإدماج والتأهيل المهني للنزلاء.
هذا الإيقاع الميداني الصارم امتد ليشمل هوامش ومراكز الإقليم الحيوية عبر جولات مفاجئة كسرت بروتوكول المكاتب؛ ففي جماعة تمسية حملت زيارته طابعاً رمزياً قوياً حينما ترجل من سيارته وسار مسافات طويلة على قدميه لمعاينة جودة الأشغال الجارية بنفسه، واضعاً مبدأ الجودة والإتقان كخط أحمر لا يقبل التهاون أو التراخي من طرف المقاولات الشريكة، وبذات الحزم حطت الرحال بمنطقة أزرو عبر زيارة تفقدية تمحورت حول تتبع مشاريع التهيئة الحضرية والبيئية، وتعزيز المساحات الخضراء، وتحسين البنية التحتية لجعل المنطقة أكثر جاذبية وتنافسية، رابطاً تنفيذ هذه المشاريع بقواعد الشفافية والمحاسبة، أما في مدينة إنزكان والدشيرة الجهادية، فقد وضعت السلطة الإقليمية قطاع الخدمات والأسواق تحت الرقابة المباشرة، حيث عقد العامل بإنزكان لقاءات حاسمة مع المنتخبين لمناقشة معضلات السير والأسواق والنقل الحضري، في حين شكلت زيارته الفجائية للسوق الجماعي بالدشيرة الجهادية رسالة حازمة للمسؤولين المحليين بعد وقوفه الشخصي على اختلالات واضحة في التنظيم والنظافة، موجهاً تعليمات فورية وصارمة لتصحيح الوضع القائم وتأهيل الفضاء التجاري بما يليق بكرامة المرتفقين.
أما على المستوى السياسي والإداري، فقد نجح محمد الزهر في فرض إيقاع يتسم بالحياد الإيجابي والنأي بنفسه وبالمؤسسة العاملية عن التجاذبات والاصطفافات السياسية المحلية الضيقة، حيث اتسمت علاقاته مع رؤساء الجماعات والمنتخبين بالمنطق المؤسساتي الصرف القائم على التنسيق والتعاون المشترك، مما جنب الإقليم أي صدامات علنية أو حالات “بلوكاج” إداري قد تعطّل مصالح المواطنين، وتزامن هذا الاستقرار السياسي مع حضور قوي للسلطة الإقليمية في تدبير المناسبات الكبرى والملفات اليومية غير المخططة، مثل تتبع امتحانات البكالوريا، والاستعدادات لعيد الأضحى، ومواكبة الدخول المدرسي، وحملات النظافة، واجتماعات الأمن الإقليمي، وهي أعباء روتينية تصنع في مجملها الفارق في جودة الحياة اليومية للساكنة وتؤكد الانتقال الإداري من نمطية تقارير المكاتب الدافئة إلى النزول الميداني الفعلي والانتصار للمقاربة الاجتماعية الشاملة.
ومع انصرام هذه الأشهر السبعة، يمكن القول إن العامل نجح بامتياز في فرض أسلوبه الخاص وكسب “شرعية الحضور الميداني” والقبول الإداري والسياسي داخل إقليم إنزكان آيت ملول المعقد، مجسداً تحولاً حقيقياً في مفهوم رجل السلطة الذي يضع المواطن في قلب التنمية، إلا أن هذه المرحلة، وبحكم المنطق التنموي، تظل بمثابة مرحلة تأسيس ورسم للمنهجية وتفكيك للملفات، والمواطن في هذا الإقليم، الذي يواجه يومياً تحديات النقل الحضري، والاختناق المروري في المحاور الرئيسية، ونقص التجهيزات في الأحياء الهامشية، ينتظر الآن بشغف تحويل هذا الزخم الميداني والاجتماعات التنسيقية المكثفة إلى نتائج ملموسة وحلول هيكلية ومستدامة تنعكس إيجاباً على معيشه اليومي؛ فالإقليم بطبيعته الحيوية والتجارية لا يقيس الحصيلة النهائية بعدد الأنشطة والتدشينات، بل بحجم التغيير الحقيقي والتقدم المحرز على أرض الواقع، وهنا تكمن نقطة التحول والمحك الحقيقي للمسؤول الترابي في مستقبل الأيام.

عامل عمالة إنزكان أيت ملول يقف ميدانيًا على تقدم أوراش البنية التحتية بجماعة أيت ملول

بعد عملية تحريرها.. العامل محمد الزهر يتفقد فضاء “السويقة”بالدشيرة ويقف على سير الإجراءات التنظيمية.

























