يتجدد الجدل في المغرب مع كل إطلالة لعيد الأضحى حول ظاهرة “بيلماون” أو “بوجلود”، حيث تنقسم الآراء كالعادة بين من يرى في هذا الطقس تراثاً ثقافياً أصيلاً يستحق الصون، ومن ينبذه واصفاً إياه بالبدعة أو الممارسة “الوثنية” والدخيلة. غير أن هذا النقاش السنوي غالباً ما يسقط في فخ الأحكام الجاهزة والسريعة التي تصف الظاهرة بالجاهلية، دون تكبد عناء دراسة خلفياتها التاريخية والثقافية وتفكيك أبعادها الأنثروبولوجية.
إن “بيلماون” ليس ظاهرة معزولة أو تقليعة حديثة تفتقر إلى الجذور، بل يُنظر إليه من طرف الباحثين في الأنثروبولوجيا والتاريخ الثقافي كطقس كرنفالي قديم وضارب في عمق التاريخ بشمال إفريقيا. ورغم أن أصل الظاهرة ما يزال محط نقاش علمي وسجال بين المؤرخين، إلا أن القراءات تتعدد؛ فبعض الباحثين يربطونه بتراث أمازيغي عريق سابق لدخول الإسلام، بينما يرى آخرون تشابهاً كبيراً بينه وبين تقاليد متوسطية ورومانية قديمة كانت تعتمد على الأقنعة والتنكر لغايات احتفالية وتطهيرية.
هذا التشابه ليس غريباً، فالعناصر الأساسية لطقس “بوجلود” ـ من ارتداء لجلود الأضاحي والأقنعة، والاستعراض الجماعي في الأزقة، وتوظيف السخرية والفرجة الشعبية ـ توجد في العديد من الكرنفالات التاريخية حول العالم. والمغرب، برصيده التاريخي، يعد نتاجاً لتراكم حضاري متعدد ومتشابك يشمل المكونات الأمازيغية، والقرطاجية، والرومانية، والإفريقية، والإسلامية؛ مما يجعل بعض الممارسات الثقافية الحالية ثمرة طبيعية لهذا المزيج الغني والمستمر عبر القرون. من هنا، فإن اختزال “بيلماون” في كونه مجرد بقايا وثنية أو ديناً موازياً يمثل قراءة سطحية واختزالية تتجاهل تعقيد التاريخ وسيرورة الثقافة وتطورها.
وإذا ما نظرنا خارج الحدود، سنجد أن لهذه الظاهرة نظائر واضحة في القارة الأوروبية، حيث ما تزال الاحتفالات التي تعتمد على الجلود والأقنعة وتجسيد الحيوانات الرمزية قائمة ومستمرة في دول مثل إسبانيا، والبرتغال، ومنطقة البلقان، ووسط أوروبا. والمفارقة هنا، أن الكثير من هذه الطقوس الأوروبية تحولت اليوم إلى تراث وطني ومزارات سياحية ومورد اقتصادي وثقافي مهم لبلدانها، بدل تصنيفها كممارسات مشينة أو متخلفة يجب اجتثاثها.
في جوهره، يعتبر “بيلماون” أقرب إلى تقليد اجتماعي وكرنفالي منه إلى أي ممارسة دينية، إذ يرتبط بآليات المسرحة الشعبية، واللعب الجماعي، والاحتفال التلقائي. وفي مناطق سوس والأطلس على وجه الخصوص، ظل هذا الطقس مرتبطاً بشكل وثيق بأجواء الفرح والترويح عن النفس التي تلي عملية الذبح في عيد الأضحى كتقليد متوارث أباً عن جد، غايته إدخال البهجة وتكسير رتابة اليومي.
لذلك، يصبح من الضروري اليوم الدعوة إلى التمييز الصارم بين “التراث” و”العقيدة”؛ فالدفاع عن الموروث الثقافي وتثمينه لا يعني إطلاقاً الدعوة إلى عبادة الأحجار أو تحويل العادات السلوكية إلى معتقدات دينية موازية. وفي هذا السياق، تبرز مفارقة غريبة في تعاملنا مع ذاتنا؛ إذ نحتفي برمزية وطقوس مشابهة في دول أخرى باعتبارها جزءاً من الهوية الإنسانية والتنوع الثقافي العالمي، بينما نضيق ذرعاً بما تكتنزه ذاكرتنا المحلية.
إن الرسالة الأساسية التي يجب وعيها هي أن من حق الشعوب الحفاظ على ذاكرتها الجماعية ورموزها الثقافية باعتبارها مرآة لهويتها وتاريخها الممتد. والخلاصة الفكرية والواقعية تكمن في أن العيب ليس في استمرار تقليد شعبي عريق مثل “بيلماون”، بل العيب والخطير هو مطالبة المجتمع بقطع صلته الرمزية بماضيه، وتجريده من تنوعه الثقافي وامتصاص ألوان ذاكرته التاريخية لصالح نمطية جافة تلغي التميز والخصوصية.













