احتلت الجريمة الاقتصادية والمالية في البيئة الرقمية صدارة النقاش خلال ندوة احتضنتها مدينة الرباط، الثلاثاء، في إطار الدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة للمديرية العامة للأمن الوطني، والتي خصصت لبحث التحولات العميقة التي فرضها التسارع العالمي في مجال الرقمنة، والتحديات التي تطرحها على المؤسسات المكلفة بحماية الأنظمة المالية.
وفي مداخلته خلال هذه الندوة، أكد العميد الممتاز تيجاني مغراني، ممثل المكتب الوطني لمكافحة الجرائم المالية والاقتصادية التابع للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أن هذا النوع من الإجرام يعد من بين أكثر الجرائم إثارة للقلق بسبب تطوره المتسارع وطابعه العابر للحدود وقدرته المستمرة على التكيف مع التطورات التكنولوجية.
وأوضح أن التنظيمات الإجرامية أصبحت تعتمد على أحدث الوسائل التكنولوجية لتنفيذ أنشطتها غير المشروعة، في سياق اتسم بالانتقال من أساليب الاحتيال التقليدية إلى أنظمة رقمية معقدة ساهمت في “تصنيع الاحتيال” وظهور منصات سرية تقدم ما وصف بـ”الجريمة كخدمة”.
كما شدد المسؤول الأمني على أهمية تتبع التدفقات المالية الناتجة عن هذه الأنشطة الإجرامية عبر آليات مكافحة غسل الأموال، مذكرا بأن المغرب يتوفر على منظومة قانونية متكاملة ترتكز بالأساس على القانون رقم 43.05 وإدماجه ضمن مقتضيات القانون الجنائي.
من جانبه، استعرض موسى برهامي، رئيس وحدة مكافحة غسل الأموال والمخدرات برئاسة النيابة العامة، الأسس القانونية المعتمدة لمحاربة عمليات الاحتيال الرقمي، موضحا أن التشريع المغربي يعتمد مقاربة مزدوجة تقوم على تكييف الجرائم التقليدية مع الأشكال الجديدة للاحتيال، مع تجريم الاعتداءات التي تستهدف أنظمة المعالجة الآلية للمعطيات.
كما أبرز أهمية “التحقيقات المالية الموازية”، باعتبارها آلية أساسية لتحديد البنية المالية للشبكات الإجرامية وحجز العائدات الناتجة عن عمليات الاحتيال الإلكتروني.
بدورها، اعتبرت نجوى بلمداني، المسؤولة بالهيئة الوطنية للمعلومات المالية، أن الثورة الرقمية تحمل “ازدواجية” واضحة، إذ توفر مكاسب كبيرة على مستوى الإنتاجية وسلاسة المبادلات، لكنها في المقابل تعرض الفاعلين الاقتصاديين لتهديدات سيبرانية متزايدة التعقيد.
وذكرت بالجهود التي يبذلها المغرب في مجالي الحكامة الرقمية والشمول المالي، داعية إلى تعزيز الامتثال للمعايير الدولية من أجل الحد من توظيف التكنولوجيا المتقدمة في الجرائم الاقتصادية والمالية.
أما ممثل بنك المغرب يوسف غشيوة، فقد حذر من تزايد عمليات الاحتيال المالي على الصعيدين الوطني والدولي نتيجة التوسع الكبير في الخدمات البنكية الرقمية. وكشفت المعطيات المقدمة خلال الندوة أن عدد النشرات والتنبيهات التي عممتها منظمة الإنتربول بشأن الاحتيال المالي ارتفع بنسبة 54 في المائة ما بين سنتي 2024 و2025.
وتطرق المشاركون إلى أبرز أساليب الاحتيال المنتشرة، من بينها “التصيد الاحتيالي” (Phishing) الذي يعتمد على تقليد المواقع البنكية أو الرسائل الإلكترونية الرسمية، و”الفيشينغ الصوتي” (Vishing) القائم على المكالمات الهاتفية الاحتيالية، إضافة إلى “السميشينغ” (Smishing) المعتمد على الرسائل النصية القصيرة المزيفة.
كما سلطت الندوة الضوء على الانتشار المتزايد للبرمجيات الخبيثة التي تسمح بالتحكم في الأجهزة الرقمية، فضلا عن استغلال شبكات التواصل الاجتماعي لنشر عروض ترويجية وهمية أو فرص عمل مزيفة للإيقاع بالضحايا.
وفي مواجهة هذه التهديدات، شدد الخبراء على ضرورة تعزيز التعاون بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، وتطوير آليات التبليغ السريع عن الهجمات الرقمية، وتكثيف حملات توعية المواطنين بحماية معطياتهم الشخصية والاستعمال الآمن للخدمات البنكية الرقمية.
وتندرج هذه الندوة ضمن فعاليات أيام الأبواب المفتوحة للمديرية العامة للأمن الوطني، المنظمة بهدف تعزيز انفتاح المؤسسة الأمنية على المواطنين والتعريف بالإمكانات البشرية والتقنية والتكنولوجية المسخرة لخدمة أمن المواطنين والحفاظ على النظام العام.














