زلزال “الميدان” في أيت ملول.. كيف وضع العامل محمد الزهر المسؤولين والمنتخبين في مواجهة مباشرة مع الاختلالات؟

يشهد إقليم إنزكان أيت ملول منذ تعيين السيد محمد الزهر عاملاً عليه قبل نحو أربعة أشهر، تحولاً لافتاً في فلسفة تدبير الشأن الترابي، تجسد في الانتقال من النمط الإداري المكتبي إلى “دينامية الميدان” التي تزاوج بين المعاينة المباشرة والقرار الآني. هذا المتغير السلوكي في هرم السلطة الإقليمية لا ينفصل عن خصوصية المرحلة التي يمر بها الإقليم كقطب حضري واقتصادي محوري بجهة سوس ماسة، يرزح تحت ضغط ديمغرافي وعمراني متزايد يتطلب حلولاً غير تقليدية. وقد جاءت التحركات الميدانية الأولى للعامل، خاصة بمدينة أيت ملول، لترسل إشارات قوية مفادها أن الجولات الاستطلاعية لم تعد بروتوكولية، بل أضحت أداة تقنية لوضع اليد على مكامن الخلل في قطاعات حيوية ظلت لسنوات رهينة سوء التدبير.

ويبرز قطاع النظافة كنموذج صارخ لهذا التحول؛ فبعد فترة من التردي البيئي المرتبط برداءة الحاويات وغياب الصيانة، جاء القرار الحازم بتجديد الأسطول وتجويده كرسالة سياسية وإدارية واضحة، مفادها أن تكريس الأخطاء السابقة كأمر واقع لم يعد مقبولاً. ولم تقتصر هذه الصحوة على النظافة فحسب، بل امتدت لتشمل إصلاح الإنارة العمومية، وتأهيل المسالك الطرقية، وتجويد محيط المؤسسات التعليمية، وهي إجراءات تعكس وعياً عميقاً بأن التنمية الحقيقية تبدأ من “هندسة التفاصيل” اليومية التي تمس جودة عيش المواطن البسيط.

وفي سياق متصل، تميزت هذه الحقبة بانفتاح غير مسبوق على فعاليات المجتمع المدني، مكرسةً بذلك المفهوم الدستوري للديمقراطية التشاركية. فمن خلال تحويل الجمعيات من “هامش التفرج” إلى “شريك في التشخيص”، استطاعت الإدارة الترابية تعزيز شفافية القرار وتوسيع قاعدة بياناتها الميدانية، مما خلق نوعاً من “الرقابة المواطنة” التي تضمن تتبع تنفيذ المشاريع وتدبير المرافق. هذا الانفتاح قوبل بارتياح واسع لدى الساكنة التي استشعرت قرب المسؤول الأول من انشغالاتها، معتبرة أن الحضور الميداني يكسر الهوة بين الإدارة والشارع ويعيد بناء جسور الثقة المفقودة.

وعلى المستوى السياسي، حملت تحركات العامل محمد الزهر مضامين صارمة حول ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ إذ وضعت الفعالية الميدانية في مواجهة التباطؤ أو التقصير الذي قد يطبع عمل بعض المجالس المنتخبة. وبقدر ما أربك هذا الحزم زمن اللامبالاة، فإنه فتح في المقابل أفقاً جديداً للتعاون المؤسساتي المبني على الوضوح والتكامل، بعيداً عن صراعات الأجندات الضيقة. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة هذه الدينامية على الاستمرارية وتحويل “التدخلات الاستعجالية” إلى سياسات عمومية محلية مستدامة، قادرة على معالجة ملفات النقل الحضري والأمن والفوضى العمرانية بشكل جذري.

إن القراءة التحليلية للحصيلة الأولية لهذه الولاية تؤكد أن إقليم إنزكان أيت ملول يمر بمرحلة تأسيسية لثقافة مؤسساتية جديدة، عنوانها الجدية والسرعة في التنفيذ. فالرهان اليوم يتجاوز مجرد إصلاح حاوية أو إنارة شارع، بل يمتد إلى تكريس نهج تدبيري يضع الإدارة الترابية في قلب التحول التنموي لإقليم انزكان ايت ملول، ويجعل من القرب والمحاسبة الركيزتين الأساسيتين لكسب رهانات المستقبل وتحقيق التنمية المتوازنة التي تليق بمكانة الإقليم وتطلعات ساكنته.

A.Boutbaoucht

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬155

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *