تُعدّ مدينة إنزكان القلب النابض للتجارة في سوس والجنوب، ويشكّل سوقها الرئيسي “المارشي الكبير” قبلة يومية لآلاف الزوار القادمين من مختلف الأقاليم، لما يوفره من تنوّع كبير في السلع، من المواد الغذائية والملابس إلى التجهيزات الكهربائية والهواتف. غير أنّ هذا الإشعاع التجاري يصطدم بواقع مُربك للزائر، يبدأ قبل دخول السوق ولا ينتهي إلا بعد مغادرته: معضلة ركن السيارة.
حصار “ممنوع الوقوف”… القانون يُطبَّق لكن من قرّر؟
يستغرب كل من يقترب من محيط السوق الانتشار الكثيف والمبالغ فيه لعلامات “ممنوع الوقوف والتوقف”، التي تحوّل المنطقة إلى شبه مجال محظور على السيارات. وبمجرد محاولة ركن السيارة لدقائق معدودة، يجد المواطن نفسه مهدداً بالقطر أو بتحرير مخالفة.
وهنا، من الضروري توضيح نقطة جوهرية: شرطة المرور لا تقوم سوى بتطبيق القانون، وهي ملزمة بتنفيذ ما هو منصوص عليه في التشوير الطرقي المعتمد. وبالتالي، فإن توجيه اللوم لأعوان المرور يُعدّ تبسيطاً مُخلّاً بالإشكال الحقيقي. فالسؤال الجوهري ليس: لماذا تُحرَّر المخالفات؟ بل: من قرّر أصلاً إغراق محيط السوق بهذا الكم من علامات المنع؟ وعلى أي أساس؟
المرابد المؤدى عنها… خيار “إجباري” لا طوعي
يرى عدد كبير من المرتفقين أن هذا الوضع لم يأتِ صدفة، بل يخلق بشكل غير مباشر توجهاً قسرياً نحو المرابد المؤدى عنها، التي يوجد أغلبها بعيداً عن مداخل السوق الحيوية. هذا البُعد يُرغم الزبون على التنقل لمسافات طويلة مشياً وهو محمّل بمشترياته، ما يحوّل تجربة التسوق إلى عبء يومي ويضرب في العمق جاذبية السوق.
وهنا يتعزز الشك: هل تم اعتماد هذا التشوير المكثف بناءً على دراسات تقنية محايدة؟ أم أنه يخدم مصالح اقتصادية محددة، عبر تضييق الخناق على الوقوف المجاني وفتح الطريق أمام أرباح مضمونة للمرابد؟
بين “المارشي الكبير” وسوق الحرية… هل هناك توجيه للرواج؟
لا يتوقف النقاش عند مسألة الباركينغ فقط، بل يمتد إلى التخوف من وجود سياسة غير معلنة لإضعاف السوق الرئيسي، لصالح مشاريع تجارية أخرى، وعلى رأسها “سوق الحرية”. فالتضييق على زوار “المارشي الكبير” قد يدفعهم، مع مرور الوقت، إلى البحث عن فضاءات بديلة أقل تعقيداً من حيث الولوج والركن، وهو ما يهدد استقرار التجار التقليديين ويقوّض دور السوق التاريخي في النسيج الاقتصادي للمدينة.
المساءلة الحقيقية: من يُحاسَب؟
إن جوهر الإشكال لا يكمن في تطبيق القانون، بل في القرار الإداري والتقني الذي سبق ذلك. فالمحاسبة يجب أن تتجه نحو الجهات التي:
قرّرت مواقع وعدد علامات “ممنوع الوقوف”.
صادقت على مخطط السير والجولان بمحيط أكبر قطب تجاري في المدينة.
لم تُوفّر، في المقابل، بدائل واقعية وقريبة لركن السيارات.
نداء إلى العامل الجديد: فتح الملف ضرورة لا ترف
تعلّق ساكنة إنزكان آمالاً كبيرة على السيد العامل الجديد للإقليم، من أجل فتح هذا الملف بشجاعة ومسؤولية، عبر:
إعادة تقييم مخطط التشوير الطرقي بمحيط السوق.
التدقيق في الخلفيات التقنية والاقتصادية لانتشار علامات المنع.
إشراك الفاعلين المحليين والتجار في صياغة حلول متوازنة.
إحداث فضاءات قريبة وميسّرة لركن السيارات، تحترم حق الولوج وتخدم الرواج التجاري.
إن تحويل محيط السوق إلى منطقة طاردة لا يخدم صورة المدينة ولا تنميتها، ويُحوّل القانون من أداة تنظيم إلى مصدر احتقان اجتماعي. فالقانون يُطبَّق، نعم، لكن القرار الذي وُضع به هذا التشوير هو الذي يجب أن يخضع للمساءلة، حفاظاً على مبدأ أن المرفق العام وُجد أساساً لخدمة المواطن، لا لإرباكه.














