مع تعيين الحكومة الجديدة اليوم، تتجه الأنظار إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، خالد حاتيمي، في ظل تصاعد المخاوف بشأن تأثير تقلبات أسعار المحروقات على كلفة الإنتاج الزراعي، وقدرة الفلاحين على مواكبة انطلاق الموسم الفلاحي الجديد.ويأتي تعيينه في سياق اقتصادي يفرض تحديات متشابكة على القطاع الفلاحي المغربي، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج وتداعيات اضطرابات أسواق الطاقة الدولية؛ وهي عوامل تجعل الموسم الفلاحي أمام اختبار حقيقي يتطلب إجراءات عملية لحماية الفلاحين وضمان استمرارية الإنتاج.
وتأتي أزمة المحروقات في توقيت حساس، بالتزامن مع انطلاق العمليات الفلاحية المرتبطة بحرث الأراضي وإعدادها للبذر، وهي مراحل تعتمد بشكل أساسي على “الغازوال” لتشغيل الجرارات والآليات الزراعية، فضلاً عن استعماله في نقل الأسمدة والمدخلات الفلاحية وتسويق المحاصيل. وبناءً عليه، فإن أي زيادة في أسعار الوقود تنعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على ميزانية الضيعات، وتزيد من حجم الأعباء التي يتحملها المنتجون.
يشكل هذا الوضع أول اختبار عملي أمام الوزير الجديد، الذي سيكون مطالباً بالتعامل مع تداعيات ظرفية دولية لا يتحكم المغرب في جميع محدداتها، لكنه يستطيع العمل على الحد من انعكاساتها على الفلاحين والقطاع الزراعي عموماً. ولا يتعلق الأمر فقط بتدبير ارتفاع أسعار المحروقات، بل بمدى قدرة الوزارة على استباق انعكاسات هذه الزيادات على مختلف حلقات الإنتاج، من إعداد الأراضي واقتناء المدخلات الفلاحية، إلى الجني والتخزين والنقل والتسويق. فارتفاع الكلفة في أي مرحلة من هذه المراحل قد ينعكس على الجدوى الاقتصادية للضيعات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، التي تظل قدرتها على امتصاص الصدمات السعرية محدودة مقارنة بالضيعات الكبرى. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مقاربة عملية تقوم على رصد تطور تكاليف الإنتاج، وتحديد الفئات الأكثر تضرراً، والبحث عن آليات ملائمة للمواكبة والدعم، مع ضمان توجيه التدابير المتخذة نحو الفلاحين الذين هم في أمسّ الحاجة إليها.
ولا تقف تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات عند حدود الفلاحين، بل يمكن أن تمتد إلى سلسلة التوزيع والأسعار التي تصل بها المنتجات الزراعية إلى المستهلكين. فزيادة تكاليف تشغيل الآليات ونقل المحاصيل والمنتجات نحو الأسواق قد ترفع الأعباء التي يتحملها مختلف المتدخلين، وإن كان انتقال هذه الزيادات إلى الأسعار النهائية يظل متفاوتاً بحسب نوع المنتوج، ومستويات العرض والطلب، وهوامش الوسطاء، وظروف التسويق. ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة في ظل حساسية القدرة الشرائية للأسر تجاه أسعار المواد الغذائية الأساسية، ما يجعل تدبير الموسم الفلاحي مسألة تتجاوز القطاع الزراعي لتلامس الأمن الغذائي والتوازنات الاجتماعية والاقتصادية. كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يضع بعض الفلاحين أمام خيارات صعبة، سواء عبر تقليص النفقات المرتبطة بالزراعة أو إعادة النظر في حجم المساحات المزروعة وطبيعة المحاصيل، وهي احتمالات تختلف بحسب الموارد المتاحة لكل ضيعة والظروف المناخية والسوقية المحيطة بها.
وفي ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار إلى التدابير التي يمكن أن تعتمدها الوزارة الوصية لمواكبة الفلاحين خلال الموسم الجديد، سواء عبر تحسين شروط الولوج إلى التمويل، أو تعزيز برامج الدعم والمواكبة التقنية، أو دراسة صيغ لتخفيف أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على الأنشطة الزراعية، في إطار الإمكانات المتاحة والسياسات العمومية المعتمدة. كما يظل التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية، ولا سيما الفلاحة والطاقة والمالية والنقل، عاملاً أساسياً في بلورة حلول تأخذ بعين الاعتبار ترابط كلفة الوقود مع أسعار المدخلات الفلاحية والنقل والتوزيع. وفي المقابل، تبرز أهمية توفير معطيات دقيقة بشأن تطور كلفة الإنتاج بحسب سلاسل الإنتاج والمناطق الفلاحية، بما يسمح بتحديد التدابير الأكثر نجاعة، عوض الاكتفاء بإجراءات عامة قد لا تستجيب بالقدر نفسه لحاجيات مختلف فئات الفلاحين.
إن هذا التعيين يأتي في لحظة تضع مفهوم السيادة الغذائية أمام اختبار عملي، قوامه القدرة على ضمان استمرارية الإنتاج الوطني، وحماية التوازن الاقتصادي للضيعات، والحد من انتقال الضغوط الخارجية إلى السوق الداخلية. وبين تقلبات أسواق الطاقة ومتطلبات الموسم الفلاحي الجديد، سيكون الرهان الأساسي هو الانتقال من تشخيص الصعوبات إلى اتخاذ تدابير ملموسة وقابلة للتقييم، تستجيب لحاجيات الفلاحين وتحافظ على دينامية الإنتاج الزراعي. وبذلك، لن يكون نجاح التدبير الحكومي لهذا الملف مرتبطاً فقط بتطور أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، بل أيضاً بمدى سرعة الاستجابة، وفعالية آليات المواكبة، وقدرة السياسات العمومية على الحد من أثر الصدمات الخارجية على الفلاح المغربي والمستهلك على حد سواء.
Ab.Boutbaoucht











