تطرح التجربة الانتخابية الأخيرة في المغرب مفارقة عميقة تستدعي التأمل والتفكير في فلسفة التدبير السياسي والحكامة؛ مفارقة تتمثل في التقاطع المثير بين أسلوب الشاب صانع المحتوى أسامة باريك في الوصول إلى القبة البرلمانية، وأسلوب حزب التجمع الوطني للأحرار في خوض الاستحقاقات الانتخابية عبر أجهزته وإمكاناته الضخمة.
إن المقارنة بين هاتين التجربتين، وما تفرزانه من نتائج إزاء الإمكانيات المالية واللوجستية المستثمرة، توفر نموذجاً عملياً يمكن الاستفادة منه في تعزيز النجاعة والحكامة، وتفتح باب التساؤل المشروع حول ما إذا كان المغرب سيتقدم عبر أساليب التدبير الحكومية التقليدية أم من خلال استيعاب نماذج عملية بسيطة وفعالة. وهذه المقارنة لا تستهدف بأي حال من الأحوال الانتقاص من الأداء الحكومي أو المؤسساتي، بل هي دعوة صريحة للقطع مع نمطية التفكير التقليدي والاستفادة من روح الفكر المقاولاتي وتجارب النجاح النابعة من خارج الأطر الكلاسيكية.
ولفهم أبعاد هذه التجربة الفريدة، يبرز اسم أسامة باريك، واسمه الحقيقي عبد العزيز باريك، كشاب ينحدر من أوساط اجتماعية تعاني الهشاشة والفقر في جبال إملشيل الباردة بإقليم ميدلت. ورغم حصوله على شهادة الإجازة في التاريخ، إلا أنه اصطدم بانسداد آفاق الشغل وحرمانه من فرصة عمل تضمن له العيش الكريم، حتى إن والدته اضطرت للعمل في بيع الزرابي للمساهمة في توفير متطلبات الحياة ودراسة أبنائها. وأمام هذه الظروف القاسية، اتجه إلى إنشاء قناة على منصات التواصل الاجتماعي كفرصة بديلة للتعبير وعرض الواقع، لينجح في بناء قاعدة جماهيرية واسعة باتت تتابع مقاطعه المصورة بمئات الآلاف.
وقد ارتكز نجاحه الرقمي على ثلاثة عوامل رئيسية: خطابه النقدي المباشر، وانسجامه التام مع الواقع الاجتماعي بلغته القريبة من وجدان متابعيه ومشاغلهم، إلى جانب بساطة فضاءات التصوير داخل المنازل الطينية وفي البيئة الجبلية النائية، مما جعله يكسب ثقة الجمهور ويعوض إخفاق الوصول إلى الوظيفة العمومية بتحقيق حضور اجتماعي وإعلامي مؤثر.
تتقاطع هذه التجربة الاستثنائية مع تشخيص دقيق لمعضلات التدبير الحكومي في المغرب، حيث يظل ضعف الحكامة وغياب النجاعة في تدبير المشاريع والموارد من المعوقات البنيوية التي تعرقل مسار التنمية. فالعديد من المشاريع العمومية تلتهم ميزانيات ضخمة تتجاوز أحياناً تكلفة مشاريع مماثلة في دول متقدمة، دون أن تنعكس بالمثل على مستوى المردودية أو تجويد حياة المواطنين، مما يكرس الفجوة بين حجم الإنفاق والنتائج الملموسة ويُفاقم أزمات التنمية والتشغيل. ويظهر هذا الخلل بوضوح عند المقارنة بين النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل؛ إذ تشير التقديرات إلى أن تحقيق نسبة نمو بـ 1% ينبغي أن يخلق زهاء 70 ألف منصب شغل في بيئات التسيير ذات الحكامة العالية، بينما لم تتجاوز هذه النسبة خلق نحو 15 ألف منصب شغل في عهد الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش، مما يعكس عجزاً واضحاً في تحويل ثمار النمو إلى فرص عمل حقيقية ويمس في العمق كفاءة النموذج التنموي الجاري به العمل.
وتتجلى المفارقة في أبهى صورها خلال المحك الانتخابي، إذ تمكن أسامة باريك من الظفر بمقعد برلماني بإمكانيات شبه معدومة وبحملة اتسمت بانتفاء الميزانية المالية، معتمداً على المشي على الأقدام والتنقل فوق ظهور الدواب للوصول إلى أبعد النقط والقرى في دائرته. وحصد بفضل ذلك 16,450 صوتاً، وبفارق شاسع بلغ 7,236 صوتاً عن صاحب المركز الثاني، و9,537 صوتاً عن المرشح الثالث، في حين عجز مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار عن الفوز بالمقعد في تلك الدائرة، رغم الموارد المالية واللوجستية الهائلة التي ضُخت في حملات المنافسين. وعند عقد مقارنة بين تكلفة المقعد البرلماني لدى حزب القيادة الحكومية وتكلفتها لدى الشاب أسامة باريك، تشير المعطيات إلى أن الميزانيات المخصصة للخيام الفارهة والتجمعات الخطابية الضخمة للحزب تلتهم أموالاً طائلة قد تصل إلى مبالغ خيالية للمجمع الواحد، دون أن تثمر سوى حصد بضعة آلاف من الأصوات تتراوح بين 6,000 و7,000 صوت في أحسن الأحوال، وهو ما يضع علامات استفهام كبرى حول الجدوى الاقتصادية والسياسية لهذه الأساليب الميكانيكية الشديدة الكلفة مقابل العائد الانتخابي المباشر والمنخفض التكلفة.
إن الدروس المستخلصة من صعود نموذج أسامة باريك تتجاوز البعد الانتخابي العابر لتضع أمامنا مؤشرات حاسمة حول إمكانية تحقيق نتائج كبرى ومؤثرة بأقل الإمكانيات، شريطة الاعتماد على التواصل المباشر والصادق مع الناس، واتخاذ البساطة والقرب من الواقع الاجتماعي مدخلاً أساسياً لبناء الثقة. وهي تجربة تدعو المؤسسات السياسية والحكومية إلى إعادة النظر في أساليب التسيير التي تستهلك الميزانيات الضخمة بمردودية ضعيفة، والتمييز الجذري بين حجم الموارد المرصودة ونجاعة النتائج المحققة على أرض الواقع.
ومن هنا تطرح مجموعة من الأسئلة المركزية نفسها: هل يمكن للأساليب البسيطة والمباشرة أن تحقق نتائج أفضل من الآليات المكلفة؟ وهل يعكس الفوز بإمكانيات محدودة قدرة أعلى على التواصل الفعال؟ وكيف يمكن للمؤسسات قياس نجاعة الإنفاق العمومي والانتخابي وربط التقييم بالأثر الملموس لا بحجم الميزانية؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن للدوائر الحكومية والسياسية استيعاب الفكر المقاولاتي والأفكار النيرة القادمة من خارج النخب التقليدية لتحسين عملية تحويل النمو إلى مناصب شغل حقيقية؟
إن الخلاصة الأساسية تسلط الضوء على هذه الفجوة بين الإنفاق الباذخ والنتائج المحدودة من جهة، والجهد البسيط والنتائج الباهرة من جهة أخرى؛ لتؤكد في النهاية أن قيمة التدبير الناجح لا تقاس أبداً بحجم الأموال المستهلكة، بل بمقدار النجاعة، وعمق الثقة، ومدى تحقيق الأهداف المرجوة.












