المغرب يستعد لطرح أوراقه الجديدة.. أوروبا أمام تصور مختلف للشراكة في منطقة البحر الأبيض المتوسط

لم يعد النقاش حول مستقبل الشراكة بين المغرب وأوروبا محصورا في تدبير الهجرة السرية ومراقبة الحدود، بل دخل مرحلة أوسع ترتبط بإعادة تعريف المصالح المتبادلة وتوزيع المسؤوليات بين ضفتي المتوسط.

إن إعلان جلالة الملك محمد السادس، خلال افتتاح السنة التشريعية يوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، عن إعداد تصور استراتيجي جديد للتعاون مع الشركاء الأوروبيين، يعكس توجها نحو الانتقال من نموذج أظهرت الأزمات المتكررة محدوديته إلى إطار يربط الهجرة بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

و من منظور جيوسياسي، تكتسب هذه الخطوة أهميتها من موقع المغرب في المعادلة الأوروبية؛ فالمملكة ليست فقط جارا جغرافيا للاتحاد الأوروبي، بل شريك تجاري وصناعي وأمني وبوابة نحو إفريقيا وفاعل أساسي في تدبير تدفقات الهجرة عبر غرب المتوسط.

وقد أظهرت الأزمات الحدودية أن اختزال العلاقة في التعاون الأمني لا يكفي لضمان استقرار مستدام، خصوصا عندما تتداخل الهجرة مع سوق العمل والاختلالات التنموية والتحديات الاجتماعية.

لذلك، فإن الرهان المغربي المحتمل يتمثل في تحويل التعاون من مقاربة تركز على احتواء التدفقات إلى شراكة أوسع تتقاسم فيها الأطراف مسؤوليات التنمية والاستثمار وخلق فرص الشغل، مع توزيع أكثر توازنا للأعباء والتكاليف.

وتبرز إسبانيا في قلب هذا التحول، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية، فضلا عن الروابط الإنسانية والتجارية بين البلدين، فمدريد تحتاج إلى تعاون مغربي فعال في قضايا الحدود والهجرة ومكافحة الشبكات الإجرامية، بينما يحتاج المغرب إلى شراكة أوروبية تفتح آفاقا أوسع للاستثمار ونقل التكنولوجيا وتعزيز المبادلات الاقتصادية.

غير أن الرهان الحقيقي يتجاوز استعادة التنسيق الأمني كلما اندلعت أزمة؛ إذ يقتضي بناء آليات أكثر استدامة، تشمل التنمية في مناطق الانطلاق والعبور، والتعاون في التشغيل والتكوين وتطوير الاستثمارات المشتركة وتسريع الإجراءات القضائية والإدارية المتعلقة بالهجرة.

ومن شأن هذا التوجه أن يجعل العلاقة أقل عرضة للتوترات الظرفية، من دون إلغاء التباينات التي قد تظهر بين الطرفين. وتأتي هذه النقاشات في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية تعاونا مؤسساتيا متواصلا، كما أظهرت اجتماعات اللجنة المشتركة لعملية مرحبا خلال مايو الماضي.

لكن التحرك المغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن تنويع الشراكات الدولية، فالمملكة توسع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الولايات المتحدة والقوى الآسيوية والأسواق الصاعدة، بما فيها الهند والصين والبرازيل، مع استمرار علاقاتها مع روسيا في مجالات مختلفة.

ولا يعني هذا التنويع بالضرورة الابتعاد عن أوروبا أو استبدال شريك بآخر، بل يمنح الرباط مجالا أوسع للمناورة والتفاوض، ويقلل من الاعتماد المفرط على محور اقتصادي واحد.

وفي هذا السياق، يمثل انخراط المغرب في مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتزامه المعلن بالمساهمة بقوات في قوة الاستقرار الدولية الخاصة بغزة، مؤشرين على توسيع حضوره في المبادرات الدبلوماسية والأمنية متعددة الأطراف.

غير أن هذه الأدوار لا تعني تلقائيا وجود ارتباط مباشر بين الملف الفلسطيني والمفاوضات مع أوروبا، بل تكشف عن تعدد المسارات التي يتحرك عبرها المغرب على الساحة الدولية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم المبادرة المغربية باعتبارها محاولة لإعادة صياغة العلاقة مع أوروبا على أساس المصالح المتبادلة، لا على أساس الاعتماد المتبادل في ملف واحد.

فالمغرب يمتلك أوراقا تتجاوز الهجرة، من بينها موقعه اللوجستي بين أوروبا وإفريقيا وتطوره في بعض الصناعات الموجهة للتصدير، وقدراته في الطاقات المتجددة، وشبكة اتفاقياته وشراكاته الدولية.

وفي المقابل، تظل أوروبا سوقا رئيسية للصادرات المغربية ومصدرا للاستثمارات والتكنولوجيا والتمويل. ومن ثم، فإن أي نموذج جديد سيكون أكثر فاعلية إذا ربط التعاون الأمني بأهداف اقتصادية قابلة للقياس، ووضع آليات واضحة لتمويل المشاريع وتقييم نتائجها، مع احترام سيادة الأطراف والتزاماتها القانونية.

أما الرهان الإسباني تحديدا، فيكمن في الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى شراكة قادرة على استيعاب المصالح المشتركة حتى في الفترات التي تتباين فيها المواقف السياسية.

وتبقى الأنظار موجهة إلى مضمون الوثيقة الاستراتيجية التي أعلن المغرب عزمه تقديمها، إذ لم تكشف بعد تفاصيلها التنفيذية أو جدولها الزمني، وستتحدد القيمة العملية للمبادرة بمدى قدرتها على ترجمة المبادئ المعلنة إلى التزامات واضحة بشأن الاستثمار والتنمية والتعاون الأمني وتوزيع المسؤوليات، وبمدى استعداد الشركاء الأوروبيين للتعامل معها باعتبارها إطارا تفاوضيا متكاملا.

وإذا نجحت الرباط في الجمع بين موقعها الجغرافي وشبكة شراكاتها الدولية وأولوياتها التنموية، فقد تفتح هذه المبادرة مرحلة جديدة في العلاقات مع أوروبا، تكون فيها المملكة أكثر حضورا في صياغة قواعد التعاون المتوسطي.

أما الاختبار الحاسم، فلن يكون في قوة الإعلان السياسي وحدها، بل في قدرة الطرفين على تحويله إلى نتائج ملموسة تحمي المصالح المشتركة وتمنح الشراكة استقرارا يتجاوز الأزمات الظرفية.

الأخبار ذات الصلة

1 من 407

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *