في خضم التحضيرات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح صراع سياسي غير معلن تطفو على السطح داخل دائرة إنزكان آيت ملول، صراع تتداخل فيه الطموحات الانتخابية مع حسابات النفوذ الترابي، وتغذيه رغبة أكثر من فاعل محلي في الظفر بمقعد داخل قبة البرلمان. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز اسما رئيسي جماعتي آيت ملول والقليعة، حيث تشير معطيات متقاطعة إلى أن كليهما يطمح إلى الترشح للانتخابات البرلمانية المقبلة، وهو ما أطلق شرارة “حرب خفية” تتخذ أشكالاً متعددة، بعيدة في ظاهرها عن المواجهة المباشرة، لكنها حاضرة بقوة في الكواليس.
ويبدو أن رئيس جماعة القليعة، محمد بيكيز، المنتمي إلى حزب الاستقلال، أصبح أحد أبرز عناوين هذا الصراع الصامت. فالرجل، الذي راكم حضوراً سياسياً محلياً وازناً، بات يُنظر إليه داخل الدائرة الانتخابية كرقم صعب يمكنه خلط أوراق التوازنات التقليدية، خاصة في ظل سعي أحزاب أخرى، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى تعزيز هيمنتها على تمثيلية الإقليم داخل البرلمان.
الصراع، حسب متتبعين، لم يعد محصوراً في إطار التنافس الديمقراطي الطبيعي بين البرامج والمرشحين، بل أخذ منحى أكثر تعقيداً، حيث تحوّل إلى مواجهة باردة تُدار عبر الضغط السياسي، واستثمار بعض الملفات الحساسة ذات الطابع الترابي والإداري. وفي هذا السياق، وجد محمد بيكيز نفسه في قلب عاصفة محسوبة الخطى، بعد مواقفه الصريحة والعلنية الرافضة لبعض محاولات التوسع الترابي لجماعات مجاورة، وعلى رأسها جماعة آيت ملول، خصوصاً فيما يتعلق بملف غابة المزار، الذي تحول إلى نقطة احتكاك سياسي حاد بين الطرفين.
وتُجمع مصادر محلية على أن هذا الملف لم يعد مجرد نزاع تقني أو إداري، بل أصبح ورقة سياسية تُستعمل في سياق صراع النفوذ والاستعداد المبكر لمعركة تشريعية يُراد لها أن تحسم ميزان القوى داخل الإقليم. فبين رئيس جماعة القليعة، الذي يقدم نفسه كمدافع شرس عن تراب جماعته ومصالح ساكنتها، ورئيس جماعة آيت ملول، الذي يُنسب إليه هو الآخر طموح برلماني واضح، تتوسع رقعة التوتر، وإن ظلت دون إعلان رسمي.
في هذا السياق المشحون، تبرز دعوات داخل القليعة تحث الساكنة على التحلي باليقظة والوعي، وعدم الانجرار وراء صراعات سياسية قد تُربك مسار التنمية المحلية. فالتجربة، بحسب فاعلين محليين، أثبتت أن التنمية تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي، وإلى دعم المنتخبين الذين أبانوا عن التزام فعلي بخدمة الصالح العام، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.
ورغم الانتقادات التي تُوجَّه إلى رئيس جماعة القليعة، إلا أن عدداً من المتتبعين لا ينكرون مساهمته في إخراج المدينة من دائرة التهميش، والدفع بعدد من المشاريع والبنيات الأساسية إلى الواجهة، وهو ما جعله يحظى بدعم شريحة من الساكنة ترى فيه خياراً سياسياً قائماً على الفعل الميداني أكثر من الخطاب الانتخابي.
وفي المقابل، يرى متابعون أن المنطقة لا تحتمل مزيداً من الصراعات المفتعلة التي تُغذّى فقط من أجل مقعد برلماني، في وقت تحتاج فيه القليعة وآيت ملول إلى تضافر الجهود لمواجهة تحديات التنمية، والضغط من أجل جلب استثمارات ومشاريع قادرة على تحسين شروط العيش للسكان.
وبين هذا وذاك، تبقى الرسالة الأوضح التي يبعث بها الشارع المحلي هي أن دعم الكفاءة والعمل الجاد هو دعم للمصلحة العامة قبل أن يكون دعماً لشخص أو حزب. أما تحويل الخلافات الترابية والإدارية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية، فلن يخدم سوى منطق الصراع، على حساب التنمية والاستقرار، في إقليم يُفترض أن يكون نموذجاً للتكامل لا ساحة لحروب انتخابية مبكرة.












