لم تعد الوعود التي رافقت الحملة الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد شعارات وبرامج موجهة للناخبين، بعدما أفرزت النتائج الأولية حصول الحزب على 97 مقعدا من أصل 395 بمجلس النواب، وهو ما يضع مضامين برنامجه الاقتصادي والاجتماعي أمام اختبار أكثر صرامة يتمثل في التنفيذ والتمويل والقدرة على التوفيق بين الالتزامات الانتخابية وتوازنات المالية العمومية. وفي مقدمة الملفات التي ستفرض نفسها على الحكومة المقبلة، في حال دخول الحزب ضمن الأغلبية، يبرز الإصلاح المقترح للضريبة على الدخل بالنظر إلى أثره المباشر على مداخيل الدولة وعلى الأجور والقدرة الشرائية. ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية مع اقتراب إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي سيكون أول مناسبة تشريعية ومالية للأغلبية الجديدة لترجمة جزء من وعودها إلى إجراءات ملموسة.
وفي هذا السياق، يقترح برنامج حزب الأصالة والمعاصرة إعادة هيكلة الضريبة على الدخل من خلال تقليص عدد الشرائح من ست إلى ثلاث، مع إعفاء الأجور الإجمالية التي تقل عن 15 ألف درهم شهريا، واعتماد نسبة 10 في المائة على الشريحة الممتدة بين 15 ألفا و46 ألف درهم، ثم 20 في المائة على ما يتجاوز ذلك. ويعني هذا التصور تغييرا مهما في طريقة احتساب العبء الضريبي على الأجراء، خصوصا مع خفض السعر الهامشي الأعلى من 37 في المائة إلى 20 في المائة. غير أن الجانب الآخر من المعادلة لا يقل أهمية ويتمثل في كلفة هذه الخطوة على خزينة الدولة؛ حيث تشير التقديرات الواردة في المعطيات إلى إمكانية تجاوز الكلفة السنوية للإصلاح 30 مليار درهم، ويرتبط الجزء الأكبر منها بتوسيع دائرة الإعفاء إلى الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم، وليس فقط بخفض النسبة الهامشية العليا. وهنا يتحول المقترح من وعد انتخابي لتحسين القدرة الشرائية إلى سؤال مالي مباشر حول مصادر الموارد التي ستعوض هذا النقص في الإيرادات.
تأتي أهمية قانون المالية لسنة 2027، باعتباره أول امتحان حقيقي، من كونه سيكشف مدى قدرة الأغلبية المقبلة على الجمع بين ما وعدت به خلال الحملة الانتخابية وما تستطيع الميزانية العامة تحمله؛ فالخفض الضريبي يمكن أن ينعكس على الأجراء بمجرد دخوله حيز التنفيذ، بينما تحتاج الموارد التي يفترض أن تعوض الخزينة إلى وقت حتى تبدأ في الظهور. ومن بين الخيارات المطروحة نظريا لتعويض جزء من الموارد المفقودة توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين التحصيل والامتثال، ومحاربة الأنشطة غير المصرح بها، والاستفادة من أثر النمو الاقتصادي على المداخيل. لكن الإشكال يكمن في التوقيت، إذ قد تكون الخسارة في الإيرادات فورية بينما تحتاج مردودية الإصلاحات المواكبة إلى وقت، وهو ما يجعل جدولة الإجراءات وطريقة تنفيذها عنصرا أساسيا في نجاح الإصلاح.
ولا ينفصل ملف الضريبة على الدخل عن الحجم الإجمالي للبرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقدر كلفته بحوالي 350 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنويا. وبالتالي، فإن إصلاحا ضريبيا قد يكلف لوحده أكثر من 30 مليار درهم سنويا يطرح سؤالا أكبر حول كيفية تمويل باقي الالتزامات والبرامج. المسألة هنا ليست في مبدأ تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء، وإنما في بناء معادلة مالية قادرة على استيعاب التخفيضات دون أن تتحول إلى ضغط إضافي على عجز الميزانية أو حاجيات الاقتراض والتمويل.
يبقى الرهان على توسيع الوعاء الضريبي وتحسين التحصيل أحد مصادر التمويل المحتملة، لكنه يتطلب إصلاحات فعلية ونتائج قابلة للقياس؛ فالانتقال من نظام ضريبي إلى آخر لا يضمن تلقائيا ارتفاع الموارد، كما أن مكافحة الاقتصاد غير المصرح به وتوسيع قاعدة الملزمين ليست إجراءات تنتج مواردها بالسرعة نفسها التي تنتج بها التخفيضات الضريبية آثارها. لذلك، فإن أي إصلاح واسع للضريبة على الدخل يحتاج إلى إجراءات موازية حتى لا تجد الدولة نفسها أمام فجوة حقيقية بين الإيرادات التي تتخلى عنها والموارد الجديدة التي تراهن على تحصيلها مستقبلا.
إلى جانب سؤال التمويل، يطرح المقترح المتعلق بتحديد أعلى نسبة للضريبة على الدخل في 20 في المائة نقاشا آخر حول العدالة والحياد داخل المنظومة الجبائية؛ فالمقارنة لا تتوقف عند الضريبة التي يؤديها الأجير، بل تمتد إلى الكيفية التي تعامل بها المداخيل الناتجة عن النشاط الاقتصادي عندما يمارس الشخص نشاطه بشكل فردي أو من خلال شركة. وفي المثال الذي طرحه الخبير المحاسب والمتخصص في السياسات الضريبية أمين بنرحمون، يمكن لمقاولة تحقق 100 درهم من الأرباح وتؤدي عنها 20 في المائة كضريبة على الشركات أن يتبقى لها 80 درهما، قبل أن تخضع الأرباح الموزعة لاقتطاع إضافي بنسبة 10 في المائة، ليصل العبء المجمع في هذا المثال الافتراضي إلى 28 درهما. والمغزى من هذا المثال هو أن تقييم الإصلاح لا يمكن أن يتم من خلال النظر إلى سعر الضريبة على الدخل وحده، بل يتطلب قراءة مختلف مكونات النظام الجبائي باعتبارها منظومة مترابطة.
تدخل العدالة الضريبية في قلب النقاش لأن الإصلاح الجبائي لا يقاس فقط بحجم التخفيض الذي سيستفيد منه هذا الأجير أو ذاك، وإنما أيضا بكيفية توزيع العبء بين مختلف فئات الملزمين. فالحفاظ على مبدأ التصاعدية، وتحقيق قدر من الحياد بين الأشكال القانونية لممارسة النشاط، وتفادي خلق فروق كبيرة بين مداخيل اقتصادية متقاربة، كلها عناصر ستدخل في تقييم أي إصلاح شامل. كما أن الفوارق الكبيرة بين الأنظمة الضريبية يمكن أن تؤثر في بعض الحالات على قرار اختيار الشكل القانوني للنشاط، بحيث تصبح الاعتبارات الجبائية عاملا مؤثرا إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية والتنظيمية.
بهذا المعنى، لن يكون التحدي أمام حزب الأصالة والمعاصرة وباقي الأحزاب التي قد تشكل الأغلبية المقبلة هو تقديم الوعود فقط، وإنما تحويل تلك الوعود إلى أرقام وتدابير قانونية قابلة للتنفيذ والتمويل. وسيكون قانون المالية لسنة 2027 أول محطة تكشف حجم المسافة بين البرنامج الانتخابي والقرار الحكومي؛ فإذا تم اعتماد تخفيضات ضريبية واسعة، سيكون السؤال حول الموارد البديلة، وإذا تم تأجيل بعض الالتزامات، سيكون السؤال حول ترتيب الأولويات، وإذا تم اللجوء إلى توسيع الوعاء والتحصيل، فستكون النتائج المحققة هي المعيار الفعلي للحكم على مردودية هذه الإجراءات. وفي النهاية، تبدو معادلة الإصلاح الضريبي واضحة في عناصرها لكنها معقدة في تنفيذها، لتقوم على تحسين القدرة الشرائية من جهة، والحفاظ على موارد الدولة من جهة ثانية، وضمان العدالة والانسجام داخل النظام الجبائي من جهة ثالثة. ومن هنا، فإن أكثر من 30 مليار درهم المحتملة ككلفة سنوية لإصلاح الضريبة على الدخل لا تمثل مجرد رقم في برنامج انتخابي، بل تتحول إلى واحد من أبرز الاختبارات المالية التي ستواجه الحكومة المقبلة منذ أول مشروع لقانون المالية.









