التسخينات الانتخابية وتبادل الاتهامات: عندما تنقلب الأغلبية الحكومية إلى معارضة ويقع المواطن ضحية “البؤس السياسي”

يشهد المشهد السياسي الوطني هذه الأيام تسخينات انتخابية مبكرة ومحمومة جاءت حتى قبل الانطلاقة الرسمية للحملة الانتخابية، غير أن اللافت في هذه المرحلة ليس الصراع التقليدي بين المعارضة والحكومة، بل التحول الجذري في العلاقة بين الأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية”وعلى رأسها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة”التي تحول فيها حلفاء الأمس إلى خصوم اليوم في مشهد أقرب ما يكون إلى “نشر الغسيل” و”استعراض العضلات” السياسي.

ففي مفارقة سياسية صارخة، بدأت مكونات الأغلبية في تبادل الاتهامات اللادعة والتشكيك في حصيلة بعضها البعض، حيث يسعى كل حزب جاهداً لتلميع صورة القطاعات والوزارات التي يشرف عليها مقابل إبراز اختلالات وإخفاقات القطاعات التي يدبرها حليفه في الحكومة. هذا الصراع المحموم كشف للمواطن العادي تفاصيل وأرقاماً واعتمادات مالية ضخمة كانت ترصد لقطاعات حيوية دون أن يلمس لها أثراً في حياته اليومية، مظهراً حجماً كبيراً من التدبير المزاجي والهدر الزمني والمالي. والأنكأ من ذلك أن هذه الأحزاب التي كانت حتى وقت قريب تتغنى بـ “الانسجام الحكومي”، أصبحت اليوم تهاجم بعضها وكأنها أحزاب معارضة، متناسية أنها كانت جزءاً لا يتجزأ من القرار والتدبير طيلة الولاية الحكومية.

ولم تقتصر هذه التسخينات على تبادل التهم، بل رافقها دخول مصطلحات جديدة إلى القاموس السياسي والانتخابي؛ حيث برز مصطلح “الميركاطو” للتعبير عن ظاهرة نزوح واستقطاب البرلمانيين والسياسيين بين الأحزاب بحثاً عن التزكيات، كما ظهر مصطلح “الفراقشية” على خلفية أزمة أضاحي العيد وطريقة توزيع الدعم المالي وتوجيهه. وتأتي هذه السجالات في وقت يواجه فيه المواطن المغربي وضعاً اجتماعياً واقتصادياً شديد التأزم، يتميز بارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وتدهور القدرة الشرائية، فضلاً عن تفاقم البطالة خصوصاً في صفوف الشباب، وتردي الخدمات العمومية في قطاعي الصحة والتعليم رغم الاعتمادات المرصودة لهما. هذا الانسداد في الآفاق الاجتماعية عكسه خروج “جيل Z” والاحتجاجات وما رافقها من أحداث مأساوية نتيجة عدم الإنصات للشباب، إلى جانب مشاهد الهجرة الجماعية المؤلمة لنحو سبتة المحتلة بحثاً عن الأمل والكرامة.

ومع اشتداد المنافسة، عادت إلى الواجهة المزايدات الانتخابية والوعود المبالغ فيها لاستمالة الناخبين، من قبيل التلويح برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم”وهو الوعد الذي سرعان ما تبخر أو تراجع عنه في السجال الحكومي. وتجدر الإشارة إلى أن تجدد هذه الوعود وإعادة إنتاجها يعود بالأساس إلى غياب المحاسبة الفعلية على البرامج السابقة، مما يتيح للأحزاب رفع سقف الوعود في كل محطة دون خوف من تبعات عدم الالتزام بها بعد الوصول إلى السلطة.

أدى هذا الوضع إلى حالة من الضبابية البالغة وكرس ما يمكن وصفه بـ “البؤس السياسي” و”الزمن السياسي الرديء”، مما يضع الناخب أمام معضلة حقيقية في اتخاذ القرار بين أغلبية تتبادل الاتهامات وتتبرأ من الفشل بعدما كانت تتشارك السلطة، ومعارضة تعاني من تشتت مواقفها وكان بعض أطرافها مشاركاً في تدبير المراحل السابقة. ورغم هذا المشهد المتشابك والمحبط، فإن المسؤولية الجماعية تفرض على المواطنين اتخاذ قرار انتخابي مبني على تقييم موضوعي ومسؤول، بعيداً عن الشعارات البرّاقة والوعود الزائفة، واستحضار المصلحة العليا للوطن عبر فرض ميزان المحاسبة الشعبية في صندوق الاقتراع.

الأخبار ذات الصلة

1 من 403

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *