تقوم الرؤية الملكية للحكامة الترابية على قناعة أساسية مفادها أن حداثة الدولة لا تقاس فقط بقوة مؤسساتها المركزية، وإنما أيضاً بقدرتها على تمكين المجالات الترابية من وسائل الفعل والمبادرة والاستباق، والاستجابة لحاجيات المواطنين على نحو أقرب وأكثر فعالية.
ومن هذا المنطلق، أصبحت الإصلاحات الترابية جزءاً محورياً من المشروع التنموي للمملكة، بما يعكس إرادة للانتقال من تدبير إداري تقليدي إلى نموذج جديد للعمل العمومي يقوم على القرب والمشاركة والنجاعة والعدالة المجالية.
وفي صلب هذا التوجه، تبرز الجهوية المتقدمة باعتبارها خياراً استراتيجياً يروم تعزيز الديمقراطية المحلية، وتحرير المبادرات، وتثمين المؤهلات الخاصة بكل جهة، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية. فالتنمية لم تعد تُتصور باعتبارها نموذجاً موحداً يطبق بالطريقة نفسها على مختلف مناطق البلاد، وإنما باعتبارها دينامية تراعي خصوصيات كل مجال وموارده وحاجيات سكانه.
وتحتل الجهة، في هذا التصور، موقعاً متقدماً باعتبارها فضاءً للتخطيط الاستراتيجي وتعبئة الاستثمار وتحفيز الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل، فضلاً عن ملاءمة السياسات العمومية الوطنية مع الأولويات الحقيقية لكل مجال ترابي.
ويقتضي هذا التحول أيضا إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية. فالمطلوب ليس إقامة تعارض بين المركز والجهات، وإنما بناء تكامل مؤسساتي يقوم على التضامن والتعاون والتدبير الحر وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتشكل العدالة المجالية أحد المرتكزات الأساسية لهذه الرؤية. فمستوى الخدمات العمومية لا ينبغي أن يكون رهيناً بمكان إقامة المواطن أو بوضعه الاجتماعي، بل يجب أن يستند إلى منطق الحق والإنصاف. فالتعليم والصحة والماء والسكن والنقل والتشغيل ليست امتيازات مرتبطة بمجال معين، وإنما حقوق ينبغي ضمانها لجميع المواطنين.
ومن هنا تكتسب السياسات العمومية الترابية بعداً جديداً، إذ لا ينبغي قياس نجاعتها فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة، وإنما بمدى تأثيرها الفعلي في تحسين حياة السكان وظروف عيشهم.
ولهذا تركز الرؤية الملكية على منهجية جديدة للعمل العمومي، تنطلق من التشخيص الدقيق لحاجيات السكان، والإنصات إلى الفاعلين المحليين، وترتيب الأولويات وفق أثرها المباشر، مع اعتماد التعاقد والتتبع والتقييم وقياس النتائج.
وبذلك تتحول التنمية الترابية إلى مسؤولية مشتركة، تتقاطع فيها أدوار الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من أجل إعداد المشاريع وتنفيذها وتقييم آثارها، ضمن رؤية تقوم على التكامل بدل تجزئة المسؤوليات.
كما ترمي هذه الرؤية إلى نقل المجالات الترابية من منطق التدبير اليومي إلى منطق الاستباق والاستعداد للمستقبل. فمواجهة التغيرات المناخية والتحول الرقمي والتحولات الديمغرافية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة تتطلب جماعات ترابية تتوفر على الموارد المالية والبشرية والتكنولوجية الكفيلة بالتخطيط للمستقبل.
وفي هذا الإطار، يحظى إدماج الشباب والنساء والفئات الهشة بأهمية خاصة، من خلال تحويل المجال الترابي إلى فضاء لإنتاج الفرص الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد إطار إداري لتدبير الحاجيات اليومية.
ويبقى المواطن في قلب هذا النموذج الجديد للحكامة. فالقرب والإنصات والتشاور والشفافية والمشاركة تشكل ركائز لإعادة بناء العلاقة بين السكان والمؤسسات، وجعل العمل العمومي أكثر وضوحاً وقرباً وفعالية.
ولا تقتصر هذه الرؤية على البعد الوطني، بل تمتد أيضاً إلى التعاون الإفريقي، من خلال جعل التعاون اللامركزي وسيلة لتبادل الخبرات وتعزيز القدرات وإنجاز مشاريع مشتركة بين الجماعات الترابية المغربية ونظيراتها الإفريقية. وهكذا يصبح التنمية المحلية أحد مداخل التعاون جنوب-جنوب والاندماج الإقليمي.
غير أن نجاح هذا التحول يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات على ممارسة اختصاصاتها بكفاءة، وبمستوى تأهيل المنتخبين، وتعزيز قدرات الجماعات الترابية، وتحسين التنسيق بين مختلف مستويات القرار، وتفعيل آليات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي العمق، ترسم الرؤية الملكية تصورا جديدا لعلاقة المغرب بمجالاته الترابية. فالمجال لم يعد مجرد فضاء لتنفيذ سياسات يتم تحديدها في مكان آخر، بل أصبح مدعواً إلى أن يكون فاعلاً في اقتراح المشاريع، والابتكار، وجذب الاستثمار، وبناء التنمية الخاصة به، في إطار التضامن الوطني.
إن الرهان يتمثل في الانتقال إلى جيل جديد من الحكامة الترابية: حكامة أكثر قرباً من المواطنين، وأكثر إنصافاً بين الجهات، وأكثر تركيزاً على النتائج، وقادرة على تحويل المؤهلات المحلية إلى فرص حقيقية للتنمية.
إنها، في نهاية المطاف، رؤية تجعل من المجالات الترابية ليس مجرد مستفيد من التنمية، بل أحد محركاتها الأساسية، بما يساهم في بناء مغرب أكثر توازناً وتضامناً واستعداداً لتحديات المستقبل.














