مع اقتراب المحطات الانتخابية، يتجدد النقاش القانوني والسياسي حول المنع الصريح الذي أحاط به المشرع المغربي إجراء استطلاعات الرأي ونشر نتائجها قبل موعد الحملة الانتخابية وإلى حين انتهاء يوم التصويت، وهو التوجه الذي يستحضر صون إرادة الناخبين وضمان تكافؤ الفرص، في مقابل تجارب دولية أخرى تبدو أكثر مرونة في تعاطيها مع هذه الاستطلاعات.
ويحظر المقتضى القانوني إجراء استطلاعات الرأي التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالاستفتاءات أو الانتخابات التشريعية والمحلية والمهنية، وذلك ابتداءً من اليوم الخامس عشر السابق لانطلاق الحملة الانتخابية وإلى غاية انتهاء عملية الاقتراع. وقد وسّع المشرع مفهوم الاستطلاع ليشمل كل بحث أو تقصٍّ يُجرى لدى عينة من السكان لجمع معلومات أو آراء إحصائية، ممتداً في الوقت ذاته ليشمل المنع الوسائط الرقمية الحديثة من شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وكافة المنصات الإلكترونية.
ولضمان التطبيق الصارم للقرار، أقرت المنظومة التشريعية عقوبات زجرية تصل إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة، وغرامات مالية تتراوح بين 10 آلاف و250 ألف درهم في حق المخالفين، مع مضاعفة الحد الأقصى للغرامة ليرتفع إلى 500 ألف درهم بالنسبة للأشخاص المعنويين، إمكانية الحكم بسقوط الأهلية التجارية لمدة خمس سنوات.
وتجد هذه الصرامة سندها في توجهات وزارة الداخلية التي بررت الحظر بالحفاظ على مصداقية ونزاهة المسلسل الانتخابي وتفادي التأثير على إرادة الناخبين، وتختلف هذه المقاربة الصارمة عن تجارب أخرى؛ ففي فرنسا مثلاً يُكتفى بحظر النشر في اليوم السابق لاقتراع فقط، بينما تعتمد بلجيكا على توصيات وقيود مهنية بدلاً من المنع القانوني المطلق.
ويرى أكاديميون ومختصون في علم السياسة والقانون الدستوري أن هذا الإجراء ينبغي فهمه في إطار تحصين العملية الانتخابية من مختلف أشكال التلاعب والتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، سواء كان هذا التأثير مالياً أو إعلامياً أو رقمياً. ويأتي هذا المنع انسجاماً مع التوجهات الرامية إلى الإعداد المبكر للمنظومة القانونية الانتخابية ونقلها من منطق التدبير الظرفي إلى الاستباق المؤسسي، خصوصاً في ظل غياب تقاليد مهنية راسخة وضوابط دقيقة لشفافية ومصداقية استطلاعات الرأي، مما قد يحولها إلى أداة لتوجيه الاختيار الانتخابي وصناعة فائز مسبق بدلاً من كونها أداة محايدة لقياس الرأي العام.
كما يرى خبراء القانون العام أن هذا المقتضى ليس حظراً مجرداً، بقدر ما هو تدبير تنظيمي لمرحلة حاسمة يهدف إلى حماية بيئة التنافس السياسي من الإشاعات والمعطيات غير الدقيقة المروج لها عبر الوسائط التكنولوجية، وضمان ولوج الأحزاب إلى المنافسة على قدم المساواة، ويتيح هذا التأطير للمواطن ممارسة حقه في الاختيار الحر والواعي للبرامج السياسية بعيداً عن أشكال التوجيه أو الضغوط المعنوية، في انتظار تطوير إطار قانوني ومهني مستقل يسمح مستقبلاً بممارسة استطلاعية تتسم بالشفافية والمسؤولية العلمية.











